رحل اغناطيوس الرابع الى دنيا الحق.
ظل يتكئ على أعوام تفوق التسعين.
وراح يبصر الأخطار المحدقة بالمشرق.
ويتابع الأحداث بتؤدة.
من دمشق مقره البطريركي.
ومن بيروت أو من دير سيدة البلمند.
الى نيويورك آخر مكان زاره.
كانت ارادته أن يمنح النائب السابق لرئيس مجلس الوزراء عصام فارس أكبر وأرفع وسام أرثوذكسي.
لكن همومه كانت تجثم على صدره، وتربض على قلبه.
وقف الى جانب متروبوليت نيويورك وكل أميركا الشمالية فيليب صليبا وباح بهمومه:
أنا معكم وعقلي في مكان آخر.
أنا بينكم وفكري مشغول على المسيحيين في بلاد الشرق.
ومسيرة الربيع العربي تقلقني أكثر مما تريحني.
واستدرك: أنا أعرف أن إبننا عصام فارس لم يقصّر بشيء ليدعم العيش المشترك، ولم يبخل بعطاء لإذكاء العيش الواحد، وانه، وهو في أميركا، أو في أوروبا، يرفد دور العلم والجامعات، بالأجنحة حيناً، وبالمعاهد أحياناً، وأنا هنا لأشدّ على يده وأقول له إنني ممتن لعطاءاته والمبادرات.
من نيوجرسي معقل المتروبوليت فيليب صليبا الى عيادات الأطباء لفحوصات طبية.
عاد البطريرك اغناطيوس الرابع هزيم الى مطرانية الروم الأميركية، بعدما هزم الأمراض العارضة، وأسرج جواده ليعود الى الوطن.
إلا أن المرض لم يعرض عنه، لا في دمشق ولا في بيروت.
كانت الأحداث في جوار باب توما تقلقه، تزعجه ولا تريحه.
انتقل الى بيروت وانتقلت معه العوارض الصحية.
نقلوه على عجل الى مستشفى الروم.
لكن قلقه على المصير كان مرضاً دقيقاً وخطيراً يفتك به، وبصحته، فأدخل الى غرفة العناية الفائقة، وغاب عن الوعي. ورحل.
لم يدخل البطريرك في لعبة النظام.
ولم يشارك في الحراك السوري المفاجئ.
همّه كان منصبّاً على العيش الواحد بين الناس.
كان خوفه على الناس كبيراً.
أدرك منذ حقبات قصيرة، أن الربيع العربي هو خريف حيناً، وشتاء أحياناً.
خاف، وبطريرك الروم عادةً، هو بطريرك العرب.
إلا أن الأحداث تظهر أن العروبة، هي مثله قلقة على المستقبل، وأن التعصب الأعمى يقلق العرب، أكثر مما يقلق المسيحيين العرب، وهم تاريخاً وراهناً رواد الحداثة والعروبة.
كان البطريرك هزيم، يقارع القادة العرب الكبار، حجةً ومفهوماً. من عصر عبد الناصر الى زمان حافظ الأسد. ومن حسني مبارك الى بشار الأسد.
وظلَّ يردد أن كل الطوائف هي ضيوف عند الأرثوذكس خصوصاً، وعند المسيحيين عموماً، وغاب، في حقبة التسعيناتمن العمر لكن قلقه على مصيرهم لم يغب.
وهذه هي ملاحم فكرية وسياسية تحاصر الجميع بالخوف على المصير.