#dfp #adsense

حتى يتوقف النفاق

حجم الخط

"ضع يدك على كتفي فليس لدي ما أخفي
إخلع عنك العفاف وإن عفوت فلن أعفي"
(شاعر مغمور)

ليس من الممكن اليوم بعد توالي الأحداث وعودة العشرات من اللبنانيين مضرجين بدمائهم من ساحات الحرب في سوريا، الإستمرار في لعبة التكاذب والتحاذق المجاني والمكشوف أصلاً. لم يعد النفي المطلق ينفع ولا النأي بالنفس يقنع، في ظل الوقائع الواضحة التي تتوالى تباعاً وبشكل يفقد القدرة على المتابعة، ويمنع جهابذة الحنكة من تأليف رواية متماسكة أو تسويغ عقلاني أو حتى تخريفة فيها بعض من المصداقية.

الأوفق إذاً، هو أن ننطلق من الوقائع كما هي حتى نتمكن من إيجاد مخارج قد تؤدي إلى التخفيف من حجم الخسائر التي يبدو أنها آتية لا محالة على لبنان كجزء من الحراك العنيف القائم حوله.

لقد سعينا منذ اليوم الأول لانتفاضة الإستقلال إلى اختراع تسويات متعددة وبعضها كان مذلاً، لـ"النأي بالنفس"، وهي غير نأي حكومة الميقاتي بالطبع. لقد سعينا الى شراكة وطنية مع الجميع، فقوبلنا بالطعن بالظهر ممن شاركناهم، لا بل أكثر من ذلك فقد استهبلنا وتم التلاعب بجنوحنا العنيد نحو السلم.

قلنا "حرية سيادة واستقلال" و"لبنان أولاً"، فخوّنّا واتّهمنا بخدمة المشروع الأمريكي الصهيوني!

قلنا بتحييد لبنان عن دفع فواتير الآخرين بدم ولحم أبنائه، فقالوا عنا أننا نفرط بالحقوق ونضرب المقاومة خدمة للإستكبار العالمي.

قلنا محكمة دولية، فقالوا نعم وزايدوا علينا في الحديث عن العدل، ظناً منهم أن التحقيق لن يصل إلى نتائج، ولأنهم اعتقدوا أنهم ضيعوا معالم الجريمة بحرفية، واثقين بقدرتهم على تعطيل مسار التحقيق حتى ولو وصل إلى بعض الدلائل.

وعندما ظهرت القرائن وبدأت تتكشف معالم الجريمة، أصبح مجرد السعي الى إنشاء المحكمة الدولية يستأهل جرّ لبنان إلى حرب مدمرة سنة ، عساها تخلط الحابل بالنابل وتمحو آثار الجريمة بوهج الإنتصار الإلهي.
وعندما صمدنا، وحققنا المحكمة الدولية، عادت تهم الصهينة والأمركة، ومورس التعطيل بأبشع وجوهه، واستمرت حملة الإغتيالات والتفجيرات التي لم توقفها إلا اتفاقية الدوحة بعد حملة الترويع "المقدسة" في يوم سمّاه حسن نصر الله بـ"المجيد" في أيار .

ومن بعدها أيضاً ذهبنا للإتفاق السوري – السعودي تحت عنوان المصالحة والمسامحة، وهي أيضاً تسوية فيها تنازلات كبرى فرضتها موازين القوى المحلية والإقليمية والدولية. فوجدنا أنفسنا نترحم على شهدائنا، وقلنا أنهم ذهبوا لنحيا ويحيا لبنان وليعود السلام والإستقرار.

ولكن ما لم يعلمه الناس هو أن التفاهمات السعودية – السورية تضمنت مساراً مدعوماً من بعض العرب لسحب سوريا من السيطرة الإيرانية بعد التماس من بشار الأسد. وقد طلب بشار بعض الوقت "لترتيب أوضاعه الداخلية وتفكيك الشبكة الإيرانية داخل سوريا".

لم نخترع نحن الثورة السورية، ولا نحن كابرنا واستكبرنا كما فعل بشار ومن يدعمه حتى أوصل الثورة إلى العنف المفتوح والمتمادي، ولا نحن كنا نتمنى لسوريا أن يدمرها حاكمها ويحرق بيوتها ويقتل أطفالها لدرجة دفعت السوريين مجبرين إلى طريق اللاعودة حتى تحقيق النصر الكامل.

ولكن ثورة سوريا كانت بارقة الأمل للبنان وسوريا معاً. لسوريا للتخلص من ظلم وفساد وكساد وتخلف فرض عليها منذ عقود عدة، وللبنان احتمال استقرار في نظامه واقتصاده بعد تغير موازين القوى التي أوجدته في عين العاصفة وجعلته ورقة تتقاذفها أهواء الديكتاتوريات الإقليمية والقوى الدولية المتصارعة.

اليوم وبعد أن سقطت كل الأقنعة حول موضوع التدخل في سوريا، وبعد أن اعترف حزب ولاية الفقيه بالقيام بـ"واجبه الجهادي" في نصرة نظام بشار. وبعد أن تأكد قيام آخرين من أبناء طرابلس بـ"واجبهم الجهادي" في نصرة المقاومة السورية، وبعد اعترافات عقاب صقر بخصوص دعم هذه المقاومة، لم يعد هناك مجال للإنكار أو النفاق أو ممارسة التقية، فنحن جميعا منغمسون حتى الأعناق في الشأن السوري وذلك لأن الحقيقة هي أن الشأن السوري منغمس فينا حتى الأعماق.

لو راجعنا العقود الماضية لكان الأمر واضحاً كعين الشمس، فلبنان كان مشرعاً للتداخلات السياسية والأمنية والعسكرية والإقتصادية والإجتماعية مع سوريا كأمر واقع، فعزلة لبنان عن محيطه كانت ستعني الموت اختناقاً، والإنكشاف نحو المحيط كانت نتيجته استخدام لبنان وشعبه كورقة لتبادل الرسائل العنيفة.

لا مجال هنا للجدل العقيم حول الأسباب والمسوغات والتفاصيل التاريخية والإجتماعية، فلكل معسكر مسوغاته الحاضرة والمنطقية، ولكل معسكر أساطيره ورؤاه المادية والماورائية، وكل معسكر طبعاً يؤكد أنه يحمل الحق المطلق، وكل يعتقد أنه مظلوم ومستهدف وضحية لمؤمرات كونية.

ومن المؤكد أيضاً أن وسائل التفاهم بين المعسكرين اللبنانيين قد تم استنفادها على مدى السنوات الماضية، لأن موازين القوى الإقليمية والدولية لم تسمح لهذه التفاهمات بأن تصل إلى نتيجة تؤمن الإستقرار لهذا البلد الذي يناضل في سبيل وجوده منذ أكثر من نصف قرن.

الواقع اليوم هو أن مشروع ولاية الفقيه الأممي يخوض معركة مصيرية في سوريا لأن ذهاب بشار الأسد سيكسر العمود الفقري لهذا المشروع ويبعثر امتداداته الإقليمية، وكأي مشروع امبراطوري، ستنعكس خسارته "لمستعمراته" على داخله حراكاً سيهدد عاجلاً أم آجلاً الأساطير التي دعمت وجود هذا النظام.

كلنا اليوم نلعب أوراقنا كلها ولن يجدي الخداع أو المماطلة، فلا رواية القرى اللبنانية في سوريا التي يدافع عنها حزب الولي الفقيه تقنع حتى جمهوره من جهة، ولا الحديث عن دعم إنساني ومعنوي للشعب السوري يجدي لإقناع جمهورنا من جهة أخرى. عقاب صقر كان واضحاً فما يقوم به اليوم حسب قناعاته هو لمصلحة لبنان قبل سوريا، أما تقويم ما قام أو يقوم به فسيترك إلى حين انتهاء المعارك وعندها قد يصبح الإتهام بطولة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل