#dfp #adsense

إقترب السقوط وماذا بعد؟

حجم الخط

بعد اقتراب المعارضة السورية من عمق دمشق والمرافق الحيوية فيها، وبعدما وُضع التغيير في سوريا على السكّة الصحيحة منذ تفرّغ الولايات المتحدة لإعادة تنشيط سياستها الخارجية التي تجمّدت بعض الشيء بفعل الانتخابات الرئاسية، تمّ توحيد القيادات المعارضة للنظام في سوريا بنسبة كبيرة. كذلك تمّ توحيد عمل الفصائل المعارضة بنسبة كبيرة أيضاً، وهذا ما كنّا نشدّد على وجوب حصوله منذ انطلاق الثورة ضدّ نظام الأسد.

كذلك كرّت سبحة الإعترافـات بالمعارضة السورية سلطةً ممثلةً للدولة السورية، بالتوازي مع سحب مبعوثي الأمم المتحدة الرئيسيّين من سوريا، إضافة إلى انشقاق الناطق الإعلامي بإسم وزارة الخارجية السورية جهاد المقدسي (الذي قيل إنّه سرّب معلومات عن نيّة الجيش النظامي إستخدام أسلحة محظّرٌ إستعمالها)، كذلك رأينا تطوّراً نوعيّاً في ميدان المواجهات العسكرية، حيث بات الثوّار يسيطرون على معظم الجهات الشرقية الشمالية من البلاد، في موازاة انحسار دور سلاح الجوّ التابع للنظام والذي بات عرضةً لمطاردة صواريخ الثوّار التي أسقطت طائرات حربية عدّة في أقلّ من أسبوعين. كما يركّز الثوّار حملتهم العسكرية على أطراف دمشق وريفها، وها هم اليوم يهدّدون أهمّ المرافق الحيوية فيها ولا سيّما منها مطارها الدولي.

وفي المقابل يتحدّث البعض عن إعداد الأسد لمقرّه الأخير في اللاذقية، ولذلك يحرص على تأمين ممرّ آمن له من دمشق مروراً بحمص في اتجاه مصياف وصولاً إلى اللاذقية، وهو لهذه الغاية يحاول تنظيف مناطق الحولا والعقرب وبانياس، حيث يعتقد الأسد أنّه قادر على إحياء دولة للعلويّين في اللاذقية يجد فيها مقوّمات الدولة لأنّ لها منفذاً على البحر، ويتجمّع فيها قسم كبير من القوّات المسلحة التابعة له، بالإضافة إلى أنّه يتمّ تخزين كمّيات كبيرة من الأسلحة والذخائر فيها.

وفي خضمّ كلّ ذلك، ومع الحديث عن ثبوت مشاركة بعض قوى المعارضة اللبنانية في الحرب الدائرة في سوريا بعد الحديث عن مقتل لبنانيّين من طرابلس ينتمون إلى جماعات سلفية، وعن دور للنائب عقاب صقر في دعم الثوّار، فإنّ لكلّ من هؤلاء مبرّراته نظراً لكون الثوّار هم المعتدى عليهم من شبّيحة النظام، وهذا ثابت باعتبار أنّ ثورتهم بدأت سلمية ولم يتحمّلوا قتلهم فحملوا السلاح للدفاع عن ثورتهم المُحقّة وعن حرّيتهم وأعراضهم وأرزاقهم. فيما يبرّر الذين يساندون النظام في قتل شعبه موقفهم بأنّهم يدافعون عن قرى متداخلة بين الحدود اللبنانية ـ السورية ولو كانت في النبطية أو في طهران!

وإذا كان الحياد يفرض على الدولة المحايدة أو التي "تنأى بنفسها" عدم تقديم أيّ مساعدة لأحد الأطراف المتحاربة، سواء شملت هذه المساعدة الأسلحة أو غيرها من الأعتدة الحربية، فإنّ هذا الحياد يفرض أيضاً الامتناع عن تقديم أيّ معونة ماليّة أو قرض مالي لأحد الفريقين المتحاربين، لكن هذا الواجب يقتصر على الدولة المحايدة لا على أفرادها الذين يستطيعون القيام بهذه الأعمال فرديّاً، إلّا إذا صدر قانون عن الدولة المحايدة يمنع هذا الأمر.

في لبنان تشارك عناصر حزبية مدرّبة تابعة لحزب الله إلى جانب شبّيحة الأسد في قتل وذبح الشعب السوري الذي لم يجد أمامه سوى الدفاع عن نفسه بعدما تُرك وحيداً في مواجهة كلّ أدوات القتل التابعة للنظام. وفي المقابل يتطوّع بعض اللبنانيّين لنصرة الثوّار بالمال والسلاح أو القتال إلى جانبهم للدفاع عن ثورتهم، حتى إنّ بعض النوّاب اعترف بأنّه يشارك في مساعدة الثوّار، كلّ ذلك لأنّ للنظام السوري فريقين، الأوّل يراهن على بقائه لكي يبقيه قويّاً، والآخر يراهن على سقوطه لكي تعود هيبة الدولة إلى لبنان.

وقد تكشّفت كلّ هذه الوقائع بعد مرور ما يزيد على سنة ونيّف من عمر الثورة السورية، التي لا نتمنّى لها أن تواجه ثورة أو ثورات جديدة بعد الإطاحة ببشّار الأسد، إذ إنّ مستقبل سوريا لا يمكن أن يُبنى على انتصار طائفة أو غالبية طائفية، ولأنّ سوريا لن تشهد إستقراراً من دون أن تحكمها المواطنة لا الدين، لئلّا يدخل الشعب السوري في نفق لم يتمكّن الشعب اللبناني من الخروج منه حتى هذه الساعة. فمسألة تعايش المذاهب وخوف الأقلّيات المذهبية هي أولى الإشكاليّات التي ستُطرح على الهيئة التأسيسية للدستور السوري في المستقبل.

وإذا لم يُبنَ مستقبل سوريا على أساس دولة المواطنة لا الدولة الدينية فإنّ التجربة المصرية الأخيرة ستكون أولى التجارب التي ستواجه الشعب السوري. وسيشكّل هذا الأمر عائقاً أمام المجتمع الدولي لمدّ يد المساعدة لأيّ دولة تنشد ديموقراطية لها من خلال التخلّص من حكم ديكتاتوري، إذ سيعتقد البعض أنّ الحكم الديكتاتوري غير المبني على الدين هو أفضل بكثير من حكم المتدينين بإسم الدين.

لذلك نطرح السؤال، ماذا بعد سقوط الأسد؟ فحذارِ التجربة المصرية، واحذروا أيضاً في المقابل أيّ وصاية على الشعب السوري من أينما أتت، ولا تجعلوا من الفقر الذي تشهده سوريا جرّاء الأزمة المالية والاقتصادية والهدم الذي لحق بمدنها وأسواقها وبُناها التحتية ومرافقها العامّة سبباً لمنع تقدّم الإنسان في سوريا، خصوصاً التقدّم في الثقافة الديموقراطية والتقدّم الاقتصادي والاجتماعي لئلّا يندم كُثر على هذه الثورة قائلين "ليتها لم تكن".

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل