يبدو أنّ ما يحصل في مصر هذه الايام، يصيب مسيحيي ٨ آذار بالخيبة. كانوا يُعَوِّلون على تسلُّط "الاخوان المسلمين"، فاذا بالرئيس محمد مرسي، يغادر قصره من بابٍ خلفي على وقع هتافات "فليسقط الرئيس". وكانوا ينبشون ويُعَمِّمون كلّ مسألة تَصُبُّ في خانة "أسلمة" النظام وإضطهاد الأقباط، فإذا بالأزهر ينضم الى المعارضين من مسلمين وليبراليين وقوميين ويساريين وأقباط. ثَماني عِبَرٍ يمكن استخلاصها، لدحض الافكار السطحية التي استند اليها مسيحيو ٨ آذار منذ بداية الربيع العربي؟
العبرة الاولى: تشكل النواة الصلبة لـ "الإخوان المسلمين" ثلث الشعب المصري. لا اكثر، وربما أقل. لقد حصدوا أغلبية كبيرة في الانتخابات البرلمانية لأنهم الأكثر تنظيماً، ولأن شرائح كبيرة من الشعب رأت في "وَرَعِهِم" الديني العلاج الشافي للفساد السياسي. جاءت انتخابات الرئاسة فحصلوا على اقلّ من إثنين وخمسين في المئة، اي فازوا بأغلبية ضعيفة اذا ما قورنت بغالبيتهم البرلمانية. اللافت انّ فوزهم الضعيف في الرئاسة جاء في مواجهة مرشح من "النظام السابق" وليس ضد مرشح من الثوار!
العبرة الثانية: اعتمد "الاخوان" سياسة خارجية، تُرضي كل آراء الاحزاب المصرية. من يحب الغلو في المسألة الفلسطينية والصراع مع اسرائيل، كان راضياً على دور مصر في "حرب غزة" الاخيرة. ومن سئم شعارات الماضي من ليبراليين "وقوميين مصريين"، لم يثيروا حفيظته بمعاداة الغرب. بقيت المعاهدة مع اسرائيل سليمة ومتينة، وبقي الاتصال مع أميركا حميماً.
العبرة الثالثة: أُنْهِكَ "الاخوان" في أوّل دخولهم الى القصر، وقبل العصر. وهذا يعني انهم باكراً بدأوا "معركة المحافظة" على مدة الولاية الرئاسية، وأصبحت "خطة الاحتفاظ" بالسلطة الى الابد، مؤجلة، في حال كانت الخطة موجودة أصلاً. والمأزق "الاخواني" في انهم خاسرون سلفاً بمعركة، أكانوا من مُخطِّطِيها او مِنَ المُستَدْرَجِين اليها. اذا استعملوا العنف، ربحوا تنفيذ القرارات وخسروا الشرعية. واذا اعتصموا بالتعامل الديمقراطي مع معارضيهم، خسروا قدرة المبادرة، في انتظار خسارتهم الشرعية الشعبية.
العبرة الرابعة: في مصر نشأت فكرة "الاخوان المسلمين". ومن مصر خرج دعاةٌ كثر، يُرَوِّجون للإرهاب الديني، وفيها بدأت أيضاً أُولى المراجعات النقدية لتجربة العنف الاسلامي. وحزب "الاخوان" المصري، يُعتبر الاكثر تنظيماً وتَمرُّساً وخبرةً ونضالاً بين أحزاب "الاخوان" في دنيا العرب. وعلى رغم ان خبرته، وربما اقتناعاته، أملت عليه تغليب الواقعية السياسية، ها هو لا يجد أحداً يُثَمِّنُ نهجه السلمي في لعبة الامساك بأدوات السلطة، ليحكم. شعر الشعب بأن "الاخوان" جاؤوا ِليَنْقُضوا لا لِيُكْمِلوا، ففقدوا صدقيتهم السياسية.
الشعب لم ينقلب على نظام مبارك لأنّه لا يُطبِّق "الشريعة"، بل لأنه نظام فاسد ولا يسمح بتداول السلطة. والشعب اراد من "الاخوان" نظافتهم الاخلاقية لا "شريعتهم". تحتاج الاحزاب التي عانت الاضطهاد الى قوة نفسية كبيرة، كي لا تتحوّل الى الانتقام اذا حكمت، وتحتاج الى صفاء أخلاقي كي تقتنع انها ليست خاتمة احزان شعوبها.
العبرة الخامسة: نجح الاسلام السياسي التركي لأنه "تعايش" مع العلمانية ولم يلغِها. ولقد نصح اردوغان "اخوان" مصر بتبني إطار "علماني" يحكمون من خلاله، فاستاؤوا منه واستغربوا هذه النصيحة. ثم ان "الاخوان" في تركيا، يحكمون بزعمائهم الحقيقيين. عبد الله غول، طيب رجب اردوغان.
في مصر، كل المصريين يعرفون ان مرشد الاخوان محمد بديع اهم من الرئيس محمود مرسي، وان نائبه خيرت الشاطر اقوى من الاثنين!! وعندما يعرف الشعب ان رئيسهم جاء بدلاً من ضائع، تنكسر هيبة الرئيس، خصوصاً اذا كان رئيس تسعين مليون مواطن يتمتعون بحس الدعابة الجارحة!
العبرة السادسة: في الانتخابات النيابية الاخيرة في الجزائر، جاء الاسلام السياسي في المرتبة الثالثة، على رغم "نزاهة الانتخابات" بحسب المنظمات الدولية التي راقبتها، وعلى رغم نسبة المشاركة الشعبية المرتفعة. في تسعينيات القرن الماضي، لحق بالاسلاميين في الجزائر ظلم مفضوح، عندما سَرَقَتْ السلطة انتصاراً استحقوه بوسائل ديمقراطية اعطتهم تفويضاً شعبياً فاق الثمانين في المئة! هذا الظلم دفع البلاد الى عنف حصد نحو مئتي الف قتيل. دارت الايام، ولانَ النظام، وعاد الاسلاميون الى العمل البرلماني، ولم تعد النتائج! في ذاكرة الشعب بقيت سنوات القتل، اقوى من الانقلاب السلطوي على ارادة الشعب نفسه.
العبرة السابعة: يصمد الاسلاميون في السلطة اذا لم يعتمدوا العنف يوماً، ولو كانوا هم انفسهم ضحية عنف مُزمن. ينجحون اذا جاء وصولهم الى السلطة، بروحية التواصل والتطوير لا بذهنية نسف ماضي المعتقدات والعادات، بذريعة اجتثاث الدكتاتور. بمعزل عن النفق الذي دخلته مصر، وبمعزل عن التداعيات، جزء من الحل سيأتي عن طريق اقتناع شعبي بان "الاخوان" سيتخلون طوعاً عن السلطة اذا جرت انتخابات اخرى. حَرَجُ "الاخوان" اليوم أنهم مُطالبون بالاعتراف بأن الماضي لم يكن كله سيئاً، وان المستقبل ممكن الوجود من دونهم!
العبرة الثامنة: قال سمير جعجع "فليحكم الاخوان". حكموا ولم تهتز الدنيا، بل اهتز وضعهم على رغم قوتهم. فإذا حكم "اخوان" سوريا، وما ادراك ما سوريا من تنوع ديني ومذهبي وقومي، هل سيصبح مسيحيو سوريا ولبنان "ذميين" كما يروّج ميشال عون وامثاله؟ لا يبدو الامر بهذه البساطة او… السذاجة.