#dfp #adsense

ما أحوجنا إلى القامات الحواريَّة

حجم الخط

برحيل البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم، تكون صفحة أخرى من صفحات لبنان وسوريا والمنطقة قد انطوت، هي صفحة الكبار على المستوى الديني العام، أولئك الَّذين لم ينظروا إلى الدين كأنه شيء معلّق في الهواء، ولكنَّهم انطلقوا به إلى كلّ الميادين الَّتي تحتضن الإنسان، وكلّ الساحات الَّتي ترتفع فيها أصوات المعذّبين والمتألمين والمستضعفين.

وعندما تكون آلام الإنسان ومآسيه وعذاباته المنطلقَ الَّذي يدفع برجل الدّين أو صاحب الموقع الديني البارز إلى الاندفاع للتّخفيف عنه والاقتراب منه للتفاعل مع مشاكله وأزماته، عندها يمكن للمحبَّة أن تصبح منهجاً وخطاً، وأن تتحوّل إلى حركةٍ تسمو على العناوين الطائفيَّة أو المذهبيَّة أو الدينيَّة والقوميَّة وما إلى ذلك.

هكذا فهم البطريرك هزيم الدين، وهكذا تقدّم بمسيحيَّته للدّفاع عن المسلمين أو عن المظلومين منهم، ولم ير في ذلك إساءة إلى المسيحيَّة، بل رأى فيه انتصاراً للمسيحيَّة الحقّة الَّتي أرادت للمحبّة أن تتجسّد عملاً وحركةً ونتاجاً في الحياة كلّها.

وعلى هذه القاعدة، اقترب البطريرك هزيم من فلسطين، من قضيتها وشعبها وقدسها، لا بصفتها موقعاً من مواقع المسيحيَّة ومهد السيّد المسيح فحسب، بل لكونها القضيَّة الأنصع، والموقع الأبرز الَّذي تظهر فيه المظلوميَّة بكل تجلياتها، أمام الظالم الأكبر الّذي تجمّعت فيه كلّ عناصر الظلم والهمجيّة والوحشيّة، والتي تحظى بالتغطية المستمرة من المحاور الدوليَّة الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي، ولذلك وقف بكلّ قوّة ليقول: «يجب ألا نترك الإسرائيليين يرتاحون في شبر من أرضنا، المسيح فلسطيني من بيت لحم… المسيح ليس ابن إسرائيل العدوان».

ولعلّ اللقاء الَّذي جمع البطريرك هزيم والسَّفير البابوي في دمشق، ومبعوث البابا يوحنا بولس الثاني للحوار بين الأديان، الكاردينال فرانسوا أرينـزي، والعلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله، إضافةً إلى عددٍ من رجال الدين المسلمين والمسيحيين في الشام، في العام 1994، والذي كان لقاءً حوارياً قلَّ نظيره في تلك الأيام، أدار فيه البطريرك هزيم الحوار، كما كان المترجم بين السيد فضل الله والكاردينال أرينزي، لعل هذا الحوار قد أطل بطريقةٍ أو بأخرى على شخصيَّة البطريرك هزيم، حين وقف إلى جانب المرجع فضل الله ضد الكاردينال أرينزي، «كان البطريرك هزيم يتعاطف مع طرحي، ولم ينطلق من عقدة كاثوليكيَّة ضد الأرثوذكس، لأنَّه لا يمكن أن يكون الإسلام أقرب إلى الأرثوذكس، لأنه كان ينطلق من صفاء…»، على حد تعبير المرجع فضل الله.

في تلك الجلسة، سأل السيّد فضل الله الكاردينال أرينزي: لو جاء السيد المسيح في هذه الأيام، مع من سيكون؟ مع الشعب الفلسطيني المظلوم أم مع إسرائيل؟ فأجاب أرينزي: إسرائيل باتت أمراً واقعاً، فأجابه السيد فضل الله: والشيطان أمرٌ واقع، فهل نخضع لأوامره ونواهيه؟ وهنا تدخّل البطريرك هزيم متبنيّاً رأي السيد فضل الله، داعياً إلى موقف مسيحي وإسلامي موحَّد ضد الظلم الإسرائيلي.

هذا الموقف لم يكن ببعيد عن المواقف الأخرى للبطريرك هزيم، وخصوصاً في ما يتَّصل بالحوار الإسلامي المسيحي، وبدعوته المسيحيين من قلب كنيسة في الشام للتعرف إلى شخصيَّة السيد المسيح، أو نظرة الإسلام إليه وإلى أمه العذراء مريم، من خلال الاطلاع على إحدى خطب الجمعة للسيد فضل الله، وحديثه في العظة التي ألقاها خلال القداس الذي ترأَّسه في 1/1/1993 في الكاتدرائية المريميَّة في دمشق، عن دعوة السيد فضل الله إلى الحوار، والَّتي كان قد أطلقها عبر صحيفة «النهار» بتاريخ 15/12/1992.

في هذه المرحلة بالذات، التي تعيش فيها منطقتنا وبلداننا ـ وخصوصاً سوريا ولبنان ـ في قلب الأزمات وعين العاصفة، نحن بأمسّ الحاجة إلى القامات الكبيرة، وإلى العقول الراجحة والقلوب الصافية الَّتي كان البطريرك هزيم يمثّل نموذجاً رائداً من نماذجها، في دعواته المستمرة إلى الحوار، ومواقفه الداعية إلى التواصل والانفتاح، وإصراره على نبذ الخلافات ومعالجتها بروح المحبَّة والسَّماح.

إنّنا نتطلَّع إلى المستقبل، لتنتج الكنيسة والمسجد شخصيّات مبدعة في المجالات العلميَّة والثقافيَّة والفكريَّة والروحيَّة، ولكي لا نعيش في دائرة الفراغ المفتوحة على المجهول فقط، في زمن ترحل فيه الشخصيّات التاريخيّة السياسيّة والدينيّة، ويندر أن تجود المراحل بأمثالهم.

المصدر:
السفير

خبر عاجل