تميز موقف كنيسة الروم الأرثوذكس بوضوح وصراحة من الطروحات حول أسباب الأزمة اللبنانية، داخلياً وخارجياً. فبعد أشهر قليلة على القتال، استنكرت الكنيسة تقاتل اللبنانيين، ووصفت ما يجري بأنه تدمير للبيت اللبناني. فطالب بحل داخلي للأزمة عن طريق الحوار والإقناع. واعتبر أغناطيوس الرابع هزيم، بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، أن شرط الحوار الأول يقوم على الاعتراف بالآخر من حيث هو آخر. فانتقد تشبث المسيحيين والمسلمين بتجاربهم التاريخية وبناء الحاضر عليها، ورأى أن منطلقات الحوار المسيحي – الإسلامي تقوم على تخلي المسلمين عن عقلية الفاتحين ( الفتوحات الإسلامية) والاعتراف بوجود المسيحيين إلى جانبهم، في مقابل تخلي المسيحيين عن فكرة أنهم إرث الإمبراطورية البيزنطية ووجه الغرب في الشرق. وشدد البطريرك هزيم على الحاجة إلى مجتمعات حقيقية لا تكون فيها الشراكة محض كلمة جوفاء، يختبر فيها الناس المشاركة والصداقة لكي يصبحوا أكثر مسؤولية وإبداعاً في التاريخ.
وقد رفض البطريرك هزيم مقولة أن المسيحي هو غريب عن وسطه العربي، والتي كان يُروجها الفكر الماروني لتبرير خصوصية لبنان وبالتالي فصله عن محيطه العربي. فدحض مقولة أن معظم المسيحيين في العالم العربي ليسوا من العرب، مؤكداً أن عروبتهم سابقة على الإسلام. كما رأى خطأً القول أن العروبة هي بديل من الإسلام، أو أنها الإسلام، في حين أنه لا يوجد تناقض بين المسيحية والعروبة. لقد اعتبر البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم أن العروبة هي خيار إستراتيجي بالنسبة إلى أبناء كنيسته. وعشية انعقاد مؤتمر الحوار اللبناني في جنيف عام 1983 لإيجاد سبل لحلّ الأزمة اللبنانية، أكدت الكنيسة الأرثوذكسية أن انتماء لبنان إلى العالم العربي والمشرق هو «حقيقة دائمة». وقد ربط البطريرك بين العروبة وبين لبنان وسورية بالقول: «لبنان وسورية هما قلب الكرسي الأنطاكي فنحن من دمشق، من سورية، من تاريخها، من تقاليدها، من عروبتها، نحن جزء لا يتجزأ من هذه المنطقة وفيها أبناؤنا».»
بناءً على ما سبق، هناك خمس مسلّمات عمل عليها البطريرك الراحل، وهي:
1- عروبة المسيحي الأرثوذكسي الثابتة في التاريخ ما قبل الإسلام، والتي ليست في حاجة للدفاع عنها.
2- إسهامات المسيحي في اللغة والآداب والنهضة العربية من داخل الحضارة الإسلامية، وليس من خارجها.
3- رفض عزل المسيحي نفسه عن المسلم، أو العكس بالعكس، ويصبح كل طرف نافياً للطرف الآخر بدل أن يكون قابلاً له ومحاوراً.
4- عدم حاجة المسيحيين إلى حماية الدول الأجنبية، لأنهم أصليون في موطنهم.
5- طرح مبدأ العلمنة وإلغاء الطائفية السياسية في حوار وطني حرّ ومفتوح.
ومن ناحية أخرى، رفض البطريرك هزيم التطرف الديني، ومواجهة التقوقع الطائفي بتقوقع طائفي آخر يجعله أكثر عدوانية، فدعا اللبنانيين إلى تعايش فريد، وأن يعيش الواحد مع الآخر إلى الأبد، يعترف به أيّاَ كانت الظروف.
ويشير البطريرك هزيم إلى عقدتين تتشبثان بالذاكرة الجماعية لدى المسيحيين والمسلمين في المنطقة العربية، وهما حساسية المسيحي تجاه تجربة «أهل الذمة»، وخوف المسلم من أولية مسيحية تتجسد في الاستقواء عليه بالخارج. ورأى أن الحل يكمن في المساواة وعدم التفريق أو التهميش، وأن تُعطي الدولة كل فرد حقوقه، وتعمل على إزالة عُقد الخوف عند المسيحي وعند المسلم على حد سواء. من هنا، رفض حصول المسيحيين على ضمانات من الخارج، معتبراً أن قيام الدولة العادلة هو وحده الضمانة للبناني، وأن اللبناني هو وحده الذي يضمن اللبناني.
وفي تصريح مشترك مع المرجعيات الروحية الإسلامية (المفتي حسن خالد والإمام محمد مهدي شمس الدين 7 شباط 1984)، دعا هزيم إلى قيام مجتمع تسود فيه العدالة والمساواة والحرية والكرامة والسيادة الوطنية، وقال: إن هناك متسعاً فسيحاً للجميع ليتحاوروا ويجدوا ما يحقق المطالب والأهداف. فطالب أبناء كنيسته، وأبناء الكنائس المسيحية الأخرى، بالتشبث بلبنان كوطن لا بديل منه، وأضاف: «نحن هنا في هذه المنطقة العربية، واستثناء عن أي منطقة أخرى في العالم، التراب له معنى… إذا لم نكن موجودين على هذا التراب فليس من تراب آخر يمكن أن يحل محله».
إنّ مسألة خوف المسيحي من العروبة، ومن عروبة ممزوجة بالإسلام، ومن المحيط العربي إلى درجة الوسوسة، وبالتالي المطالبة بتقسيم للبنان وما يستتبع ذلك من فرز سكاني على أساس طائفي، كانت محل رفض شديد من جانب البطريرك هزيم. وربما بسبب مواقف كنيسته هذه، لم يُدع للاشتراك في مؤتمر بكركي في 14 كانون الثاني 1984. لقد أدان البطريرك هزيم المؤتمرات الطائفية، وطالب بحوار وطني لإنقاذ لبنان، مشيراً إلى أنّ «إنقاذ لبنان لن يكون عبر مؤتمرات كهذه، بل في مؤتمرات وطنية تدعمها اللقاءات الروحية بين رؤساء الطوائف».
كان البطريرك هزيم يرى أن عقدة الخوف المزمنة عند الموارنة كأقلية، هي التي تجعلهم يسوغون قيام وطن مسيحي لهم في لبنان أو يسعون إلى الفدرالية. فأوضح أن طائفته ترفض «الكانتونات» أيّاً كان لونها ونوعها، وأن «تكون الطائفة دولة ضمن دولة». واعتبر أن إسرائيل هي المستفيد الوحيد من تفكك لبنان، وأنها عدو الموارنة وعدو كل اللبنانيين، وأن التاريخ أصدق برهان على أن الدول الأجنبية التي كانت ترفع راية الأقليات المسيحية إنما كنت تحمي مصالحها من خلالهم. والحل برأيه، لا يكون بالانزواء وتأسيس «وطن قومي مسيحي»، لأن ذلك يقتل المسيحية ويجعلها ميتة. فلبنان سيكون على الدوام مؤلفاً من عنصر مسلم وعنصر مسيحي، وهذه حقيقة يجب أن تُؤخذ في الاعتبار إلى أقصى الحدود.
هكذا، رحل البطريرك هزيم، رجل الحوار والانفتاح على الطوائف، المؤمن بالوجود المسيحي في الشرق، وبالعيش المشترك مع الشريك المسلم، من دون أن تتجسد مواقفه الوطنية والعروبية على أرض الواقع. فالطائفية تطورت إلى مذهبية، والكانتونات أضحت مشاريع للفدرالية.