#dfp #adsense

لقد مات، لكنّه “سيحيا”

حجم الخط

وها انا على بعد ثمانية آلاف ميل منك ايها المسجى في الكنيسة، وأكاد اسمع أصوات أجراس الكنائس. لقد خنقها الحزن فبح صوتها. وها أنا اتقدم منك وأنحني أمام "جسدك الطاهر" لأقبل يديك. وكم قبلت يديك. نم هانئاً يا صديقي فغداً ستكون في بيت ابيك و"ستحيا". غدا ستقف امام الله وتهلل: "السماء والارض مملوءتان من مجدك". وسيغمرك الله بمحبته ونوره.

وكيف لا تؤمن بالقدر؟ فأنا قلما ازور لبنان اواخر تشرين الثاني. هذه المرة كنت هناك وقبل ان اغادر ببضع ساعات لبنان واعود الى الولايات المتحدة كان قد بقي علي ان ازور البيت في بطرام وازور البطريرك هزيم في البلمند. عندما وصلت الى المقر البطريركي الواقع على التلة، وجدته واقفاً في وسط الدار ينتظرني. القامة المهيبة المجللة بالسواد والمكللة بالشعر الابيض والوقار. تعانقنا، ثم جلسنا فتحادثنا وضحكنا، ثم قبلت وجنتيه وودعته عائداً الى مدينة هيوستن. لم يخطر ببال احدنا ان هذا لقاؤنا الاخير. بعد يومين وقع البطيرك في غرفته وأدخله الاطباء المستشفى ثم رحل عنا. هكذا وبكل بساطة انتهى عمر من المحبة بيني وبينه. عمر من القصص والحكايات. هكذا وبكل بساطة مات رجل بحجم ألم هذا الشرق كله. هكذا ماتت الاسطورة.

كنا نخاله اكبر من الموت. وكم مرة زاره الموت من قبل لكنه لم يجرؤ على النيل منه. من تسع عشرة سنة رن الهاتف في مكتبي. انه صوت البطريرك: "يقول الاطباء لي انني بحاجة الى عملية جراحية خطرة في القلب وانا ذاهب الى المايو كلينيك في روتشستر لاجراء العملية هناك. أرجو انت وغسان ان تلاقياني هناك". كان يومها غسان تويني يزورني في هيوستن لاجراء بعض الفحوص. وفي اليوم التالي وضعنا كل شيء جانباً وذهبنا انا وغسان لنكون بجانب البطريرك. وبعدما أجرى الاطباء كل الفحوص، جاء رئيس اطباء جراحة القلب ليقول لمريضه ان العملية الجراحية غير ممكنة، وان امكان الشفاء يقارب الصفر. عند ذلك اقنعت البطريرك بالانتقال الى هيوستن وطلبت من طبيب القلب العالمي الشهير دنتون كولي معاينته. قال كولي لي: "ان نسبة النجاح هي افضل من الصفر. انها واحد في المئة". وفي اليوم التالي وبعد اجراء العملية استبد الاحباط بالأطباء وهبطت نسبة الشفاء ثانية الى الصفر. وهمس طبيب في اذني: "يمكنك اعتباره ميتاً". لم يكن سهلاً عليّ ان اترك البطريرك يموت وهو في عهدتي. انا لست متخصصا في معالجة امراض القلب لكنني متخصص في الامل وفي التغلب على الاحباط. فجمعت اطباء القلب وشرحت لهم علاقتي مع الرجل كما شرحت لهم انني تعلمت من الطب ان الله وحده يقرر الحياة والموت. اما الطبيب فواجبه ان يعمل كل ما في وسعه حتى الشوط الاخير لانقاذ المريض، بغض النظر عن امكان النجاح. وحدهم الذين لا يخافون الحرب يربحونها. وهكذا عمل فريق الاطباء المتخصصين ليل نهار ودون كلل. فقام الميت من موته، وعاش البطريرك.

من شهر ونصف شهر تقريباً جاء البطريرك الى هيوستن ليجري فحوصه. وجاء دنتون كولي ليزوره في غرفته. بعد تسع عشرة سنة التقى المريض، الذي اعتبره ميتاً يومذاك جرّاحه، وكان المريض أفضل صحة من طبيبه.
عاش البطريرك ليكمل طريقه، ليكمل رسالته، متربعاً ببساطة وتواضع على عرش انطاكية. يصلي ويعظ ويتكلم عن المحبة والتسامح والغفران وينشر رسالة السلام في الارض. ما وقف يوماً الا للدفاع عن المظلوم والضعيف، ولم ينحن يوماً لحاكم أو مستبد. لقد اختصر بشخصه رسالة الكنيسة الارثوذكسية في المشرق العربي.

تقول الرسالة "باحترام الآخر" وترتفع الى اعلى، الى "معانقة الآخر ومحبته". وجاء البطريرك بفلسفة جديدة هي "ان وجود الآخر يعطي معنى وجودياً لوجودك انت، اذ لولاه لما كنت". وتكلم البطريرك كثيراً عن هذا "الآخر" لأنه كان يعرف جيداً ان هذا الشرق يعاني مرضاً عضالاً هو عدم احترام الآخر. ومن منطلق احترام الآخر ومحبته تؤمن الرسالة الارثوذكسية باحترام الانسان كإنسان سواء أكان هذا الانسان ارثوذكسياً ام لا، مسيحياً ام لا، مؤمناً أم لا. من هنا دعا البطريرك الى تعانق المسيحية والاسلام والعمل على جعل بلادنا ساحة للحوار والتواصل، ساحة لتعانق الاديان، ساحة لتعانق الحضارات. وكم آلمه ان يرى كيف اصبح العنف سيد هذه البلاد وكيف اصبح الحقد حاكم هذه الارض.

ولعل أبرز ما يميز هذا البطريرك، هو ايمانه القوي والعميق بثقافة العلم والمعرفة. كان البطريرك الأول في تاريخ الكنيسة الارثوذكسية الذي بنى جامعة، جامعة البلمند. ولعل هذه الجامعة اليوم هي اهم نتاج للكرسي الارثوذكسي الانطاكي. كثيرون يعتقدون ان المعرفة تهدد الدين. على عكس هؤلاء كان البطريرك هزيم يؤمن بأن المعرفة تدعم الدين ولا تهدده، تزيد الايمان ولا تضعفه. كان هذا الرجل يؤمن بأن الدين يحتاج الى حضارة وان المعرفة هي الطريق الى الحضارة.

كانت هذه الرسالة الارثوذكسية، وكانت قبل الارشاد الرسولي. وكذلك دعت الرسالة المسيحيين في المشرق العربي الى التجذر في الارض، والتعانق مع المسلمين، والعمل معاً لصنع حضارة جديدة ومستقبل جديد.

على طول الطريق كان هناك رجل آخر بجانب البطريرك. كان توأمه الروحي والفكري. كان هذا الرجل غسان تويني. يصعب على المرء ان يحدد العلاقة التي كانت تربط غسان بالبطريرك. كل ما أعرفه انه لم أر في حياتي صديقاً أحب صديقه كما أحب غسان البطريرك. اثنان عاشا العمر معاً، وماتا معاً في سنة واحدة. ستة اشهر تفصل بين موتهما. وماذا عن عالم بعد الموت يا ترى؟ وهل هناك صداقات؟ وهل هناك ذكريات؟

لقد ماتت الاسطورة. اما الحكاية فستبقى وسيخبرها الآباء لأبنائهم. والأبناء لأولادهم. جيل بعد جيل تبقى الحكاية وتكبر. وسيبقى نصبه على تلة البلمند شامخاً. عين على الجامعة وعين على الشرق كله. كم حملت من الألم والعذاب ايها البطريرك. ها قد تحررت. ها قد تباركت. ليذكرك الرب الإله دائماً في ملكوته، ولتذكرنا انت دائما في صلواتك. سلام الله عليك.

وسلام الله على هذا الشرق.

المصدر:
النهار

خبر عاجل