أغلب الظنّ، والله أعلم يا اخوان، أنّ أهل الممانعة عندنا لم ينتبهوا بعد إلى المتغيّرات العظمى التي جرت اقليمياً ودولياً ومحلياً منذ توسّلهم الانقلاب شبه العسكري للسيطرة على لبنان وأهله والتحكّم بمصيره.
وأغلب الظنّ، أنّ مرّد ذلك، الى الطبيعة المغلقة التي تحكم وتتحكّم برؤاهم وممارساتهم وتدفع بملكة النكران إلى تبوؤ صدارة الممارسة عندهم. وإلى أن يختلط الفوران النضالي بالنصّ الديني بالاتكالية القدرية بمقوّمات الحديد والتنظيم والمال والقرارات الأخرى، ويغلب على التحليل البارد والهادئ والناشف والبعيد افتراضاً عن أي تمنيات وأحلام أنوية، وتكون النتيجة ذاتها وحتى إشعار آخر، كوارث متناسلة تصيبهم وتصيب الاغيار معهم.
في قراءتهم المتأتية من ذلك النكران أنّ سوريا لم تهتزّ وبشار الأسد لم يصبح أي شيء إلاّ حاكماً لها. وأنّ العالم العربي ينام ويصحو على ترنيمة المثال الإيراني الممانع سعياً إلى اعتماده! وأنّ اللبنانيين بعد ذلك اعتادوا على الفرض والإكراه والتزوير والتفجير. وهم فوق ذلك، قبلوا بتبعات الانقلاب على خياراتهم وتقاليدهم وأعرافهم ودستورهم وميزانهم الأدقّ والأنحف من ميزان الذهب والماس والياقوت.. وهم جميعهم بعد هذا، يحملون الخرزات الزرق في أعناقهم خشية من عين فارغة تحسدهم على حكومتهم وجناها الوفير وخيراتها العميمة وإنجازاتها الأثيرة!
وفي قراءتهم المولودة من ذلك البطن الذهني والنمطي الرخو، انّ السياديين اللبنانيين على حالهم منذ سبع سنوات. لم يتغيّر شيء في سلوكهم ومشاعرهم وغضبهم وسياساتهم. وأنّهم اعتادوا على تلقّف الفعل والقعود تحت سقف القبول به خشية على العقد الوطني اللبناني من الانفراط، وعلى السلم الأهلي من الانكسار، وعلى الفتنة المذهبية من الاشتعال، وعلى الجمهورية من الضمور مجدداً تحت وطأة مشاريع جمهوريات خاصة لا تنتج إلاّ البلايا!
.. في مدوّنة الأوهام تلك ما يكفي من الضنى حتى صار أصحابها أسرى توقعاتهم: لا يخطون خطوة إلاّ ويصطدمون بمطبّات الواقع وأحواله. ولا يقدمون على فعل إلاّ ويزداد مستوى الغربة عن أهدافهم.. وفي ظنّهم، رغم هذا، أنّ حفرة المأزق الوجودي التي يرتعون فيها، ليست إلاّ قمم جبال لا يصل إليها سوى الثقات والمنتقون والمختارون من زبدة لدنهم الممانع!
.. وبالاذن من المرحوم "أبو ملحم"، فقد آن لبعض العقل أن يفلش أحكامه وذرّاته عليهم لإخراجهم من عتمة الوهم إلى صبح الواقع. وآن لمنطق الحساب أن يتغلّب على لا منطق الغريزة. ولمنطق المصلحة أن يتغلّب على لا منطق الهيجان الفالت الذي لا يليق حتى بالمراهقين في العمر والسياسة والتكتيك والاستراتيجيا!
.. آن للبعض منهم أن يصحّح قراءاته وافتراضاته وحساباته وسياساته ومكابراته. وأن يكفّ عن الوهم القتّال بقدرته على محاذاة الفتنة من دون الوقوع فيها. وعلى الاقتراب من النار من دون الاحتراق بها. وعلى اللعب بالميزان من دون دفع الأثمان. وعلى الاستمرار في الافتراض المريض والشقي بأنّ القوة العابرة سطوة دائمة، وأنّ بها ينكسر الاغيار ولا ينكسر هو!
آن لذلك البعض منهم، أن يكفّ عن المكابرة والنكران.. والقبول بعد ذلك، بحقيقة أقوى من الجبال تفيد بأنّ الدنيا تغيّرت. وأنّ الانقلاب فشل واندحر. وأنّ الفتنة تركّع الجميع وتستبيح كل دار مهما تحصّنت وتدرّعت. وأنّ لبنان هذا، كان مرّاً على كل مَن أتى من خارج وبلعه. وأنّه أمرّ بما لا يُقاس، على مَن يأتي من داخل لبلعه!