لا يجادل اثنان في أن لبنان يمر الآن، وبخاصة منذ اندلاع الثورة ضد النظام السوري قبل حوالى عامين، في ظروف دقيقة واستثنائية. لا الحكومة تنكر ذلك، بل إنها تبرر به ما تسميه سياسة "النأي بالنفس" تجاه ما يحدث في سوريا، ولا كذلك قوى 8 آذار التي شكلتها وترعاها مع النظامين السوري والإيراني، فضلاً طبعاً عن قوى 14 آذار والغالبية المطلقة من المواطنين اللبنانيين.
ولا يجادل اثنان أيضاً في أن الظروف الدقيقة هذه ذات طابع أمني أولاً وقبل كل شيء، سواء لجهة موجة الاغتيالات والتهديد بالاغتيال ضد رموز البلد وقواه السياسية، أو لجهة الأحداث التخريبية والمشبوهة التي تنبت كالفطر في العديد من مدنه ومناطقه، أو أخيراً لجهة توريطه في حروب أهلية ومذهبية لم يعد هناك شك في العمل الحثيث وبكل الوسائل من أجلها. ولم تكن مؤامرة علي المملوك-ميشال سماحة في الواقع إلا واحدة منها.
هل بغير التدابير الأمنية، حتى لا يُقال بالمزيد والمزيد من هذه التدابير، يمكن للبنان أن يتجاوز مثل هذه المخاطر التي تحيق به حالياً والتي يمكن أن تزداد في خلال الفترة المقبلة؟
مناسبة الكلام هذه الضجة المفتعلة من فرقاء قوى 8 آذار، في داخل الحكومة وخارجها، حول ما يسمى "خصوصيات المواطنين" لمجرد أن شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي طلبت من وزارة الاتصالات إطلاعها على تفاصيل حركة الاتصالات الهاتفية والرسائل النصية في منطقة جغرافية معينة وفي فترة زمنية محددة. أما الذريعة المعلنة، إضافة الى الحرص على خصوصيات الناس كما يقولون، فهي التساؤل عن مدى حاجة القوى الأمنية للحصول على هذه التفاصيل من جهة وما إذا كان يُمكن أن تُستخدم من أجل أغراض أخرى من جهة ثانية.
وبغض النظر عن تهافت الذريعة من أساسها، أولاً لأن حماية الناس في حياتهم أهم من حماية أسرارهم، وثانياً لأن الحجة في حد ذاتها تستند الى اتهامات سياسية مغرضة لقوى الأمن الداخلي، ولشعبة المعلومات تحديداً، فالأنكى من ذلك كله أن ما تطلبه القوى الأمنية في الحال الراهنة لا يتعلق بأخطار أمنية محتملة، ولا حتى بإجراءات استباقية قد تكون في حاجة إليها في سياق القيام بمهامها في حفظ الأمن، بل بتحقيقاتها في جريمة موصوفة وفي وضح النهار ذهب ضحيتها أحد أبرز قادتها، اللواء وسام الحسن، الذي لعب دوراً استثنائياً في تفكيك شبكات التجسس والتخريب الإسرائيلية وفي حماية عدد كبير من القادة السياسيين والمثقفين اللبنانيين من عمليات اغتيال كانت تستهدفهم.
هل سأل أحد من "الذرائعيين" هؤلاء نفسه مثل هذه الأسئلة؟. بل هل يكون لبنانياً فعلاً، فضلاً عن أن يكون مسؤولاً برتبة وزير أو نائب، من يتعامل مع جهاز أمني رسمي في بلده بذهنية الشك في ولائه وولاء قادته وأفراده؟. وأكثر من ذلك، هل تكون أسرار الناس ومكالماتهم الهاتفية موضع انتهاك إذا وصلت الى جهاز أمن رسمي مثل شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي أو مخابرات الجيش اللبناني، وهل يكون مثل هذا الانتهاك ـ على فرض حدوثه ـ أكثر أهمية من حماية أمن المواطنين الشخصي وأمن البلد العام؟
غني عن القول إن أولى مسؤوليات الحكومة، أي حكومة في الدنيا، فضلاً عن الحكومة اللبنانية التي ترفع لنفسها شعار "الاستقرار"، ليست سوى حماية أمن الناس في حياتهم أولاً وقبل كل شيء. لا يعني ذلك طبعاً الاستهتار بحرياتهم وحقوقهم الإنسانية، بما فيها أسرارهم وخصوصياتهم، لكن سلم الأولويات يبدأ وينتهي عند حقهم في البقاء على قيد الحياة… هذا الحق الذي تتهدده مخاطر جدية مقيمة في لبنان منذ شهور، أقله بذريعة ما تقوله الحكومة نفسها عن سياسة "النأي بالنفس" إزاء ما تشهده سوريا منذ حوالى عشرين شهراً، حتى لا نعيد التذكير بما كان عليه حق الناس هذا تحت الوصاية السورية طيلة العقود الأربعة الماضية.
وعندما يكون الجهاز المسؤول عن هذا الأمن مهدداً في حد ذاته (اغتيل اثنان من قادته، اللواء وسام الحسن والرائد وسام عيد، ونجا ثالث باعجوبة هو النقيب سمير شحادة، ويتلقى رئيسه اللواء أشرف ريفي رسائل تهديد دورية)، ألا يستحق هذا الجهاز من حكومة "الاستقرار" ووزرائها الحريصين على "أسرار الناس" ما يحميه من نوع إعطائه ما يحتاجه من معلومات تسمح له بكشف المتآمرين عليه وعلى حياة قادته… فضلاً عن كشف المتآمرين على هؤلاء الناس وعلى البلد وأمنه؟
واقع الحال أن حكومة بمثل هذه المواصفات، وشخصيات وزارية بمثل هذه الخصوصيات، وطبقة سياسية داعمة لها بمثل هذه السمات، لا يمكن أن تقدم للأمن والسلم الأهليين في لبنان إلا ما قدمته للآن: اغتيالات وتهديدات بالقتل وأعمال سطو وخطف وقطع طرق واعتداء واحتراب عشائري وطائفي ومذهبي تتنقل بين منطقة وأخرى وعند الحاجة من وقت الى وقت.
أما الذريعة فجاهزة على الدوام، مرة باسم المحافظة على الاستقرار، وأخرى تحت عنوان حماية الحريات الشخصية، وثالثة بحجة "النأي بالنفس" ـ وأي نفس؟ ـ عما تشهده سوريا من جهة والمنطقة كلها من جهة أخرى من قلاقل واضطرابات.
ألم يسمع هؤلاء أن دولة ديموقراطية كبرى في العالم مثل الولايات المتحدة، وهي التي تقدس في دستورها حريات الفرد وحقوقه الشخصية، لم تجد غضاضة في أن تضع قيوداً (وصفها البعض بأنها صارمة) على هذه الحريات في أعقاب الهجمات التي ضربت نيويورك وواشنطن في 11 أيلول من العام 2001؟
لعل الوزير اللبناني المعني بالاتصالات أكثر ديموقراطية وتمسكاً بالحريات الفردية للبنانيين مما هو ساكن البيت الأبيض بالنسبة لمواطنيه الأميركيين!