تعوّدنا في لبنان على كلمة دويلة بعد أن فقدت الدولة اللبنانية معظم هيبتها على كافة الاراضي اللبنانية، من الحدود السورية الى الحدود الإسرائيلية، ناهيك عن المخيمات الفلسطينية وما تشكله من ظواهر خارجة على سلطة الدولة، وصولا الى مناطق نفوذ "حزب الله" في الجنوب والبقاع وطبعا في الضاحية، ولا ننسى بعض المناطق الساخنة التي لا تستطيع المؤسسات الرسمية حسم الأمور فيها لأسباب متعددة من طرابلس الى صيدا، وما بينهما من لاسا الى الرويسات.
وبسبب طبيعة لبنان "الديمقراطي"، ظهرت دويلات اخرى مثل جمهورية لا تتعدى مساحتها مساحة أمتار مربعة لفيلا في الرابية!
انها جمهورية الرابية. جمهورية الاصلاح والتغيير والكتاب البرتقالي الذي صدر عنها عام 2005 قبيل الانتخابات النيابية آنذاك، جمهورية "إطلالات الثلثاء" والتصاريح الرنانة، جمهورية "الصهر المدلل" والتحالف مع جماعة الكابتاغون وعصابات الخطف وسرقة السيارات والأدوية المزوّرة!
في هذه الجمهورية، لا يحق لاحد الكلام، صحافيا كان ام نائبا، فهناك شخص واحد اوحد يملك منبر التصاريح في كل يوم ثلثاء ليطل على شعبه "العظيم" ويتلو عليهم مضبطته الاتهامية بحق أكثرية الشعب اللبنانية وأكثرية وسائل الاعلام وكل المجتمع الدولي، بكلام الذي لا يخلو من العبارات الخلاقة من مثل "ما بيوصل لتحت زناري" و"المعارضة البلوطة" الى العديد من الامثال التي لا يمكن لاحد ان يكررها نظراً لمستواها الدوني.
في الرابية لا حديث غير التهجم على "الآخرين" ونعتهم بالعملاء والكاذبين والفاسدين والسارقين والمجرمين، بغض النظر عما اذا كان احد "ابناء البيت" عميلاً لاسرائيل نال أحكاماً مخففة لأسباب سياسية معروفة، او بغض النظر عن روائح الفساد المنبعثة من بواخر الكهرباء والمازوت الأحمر وصفقات التجديد لشركتي الخلوي وتوزيع الخطوط الخلوية المميزة…
في تلك الجمهورية لون واحد وهو البرتقالي وشعار واحد وهو علامة "الصح" المفترض أنه يعبّر فعليا عن صدقية الرئيس الذي هو دائماً على حق مهما بلغت الفضائح والتبعية العلنية. هو لم يخطئ حتى حين ترك ضباطه وجنوده على أرض المعركة وفرّ الى السفارة الفرنسية، كما أنه لا يخطئ في كل الافكار التي يطرحها من التبعية لـ"حزب الله" الى وصف النظام السوري البائد بالاكثر ديمقراطية في الشرق، اذ لكل فرد من الشعب السوري بنظره الحرية المطلق باختيار نوع "اللحوم" التي يريد اكلها.
في جمهورية الرابية ضمان كبير لحرية التعبير، التعبير بكافة العبارات التي تطرق على بال الرئيس في اي وقت اراد وغير آبه لمن يسمعه، اولادا كانوا ام نساء. لكنه في الطرف الاخر لا يسمح لاي احد بالتعبير عن رأيه، ربما هو يخاف من الكلمة الحرّة حتى ولو كانت مكتوبة من تلميذ جامعي يبلغ 20 عاماً آمن بلبنان وطن الحرية فكتب رأيه من دون خوف، فقابله جنرال الرابية بدعوى قضائية. هل هي محاربة الكلمة ام محاربة الشباب؟
فهنيئا بجمهورية الرابية، رغم أن لا موز مزروعا في هذه المنطقة من لبنان…
