في خِضَمّ التوقعات لِما سَتؤول اليه الأوضاع في سوريا، وإن كان سقوط النظام قريباً أو بعيداً، وما طبيعة وشكل الدولة التي سَتَتكوّن بعد رحيل الأسد، وبعد وصول التهديدات بإحتلال إسرائيل أو تدميرها من قِبَل إيران وحزبها في لبنان الى ذروتها، وفي قِمّة التوتر السني الشيعي في المنطقة والعالم وخصوصاً في لبنان، وبالرغم من كل ذلك، فما زالت لغة الإستكبار التي يعتمدها مسؤولو "حزب الله" على حالها، كذلك لم يَتغير المسار الذي سَلَكوه منذ انتهاء الاحتلال السوري للبنان ولا بعد اندلاع الثورة السورية.
كل الأجواء والتحاليل، وكل المؤشرات والتحركات العسكرية للثوارولجيش النظام على الارض تَدُلّ الى ان النهاية باتت قريبة جداَ وأن سوريا التي بناها آل الاسد على الظُلم والاستبداد والقتل والتَنكيل وحُكم المخابرات والشبيحة هي على شفير الزوال من الوجود ليبدأ بعدها عهدٌ جديد نأمل أن يكون مبنياَ على أُسَس العدالة والمساواة بين جميع السوريين الذين ذاقوا الأمرين على يَدِ هذا النظام المُجرم.
في لبنان، الأكثر تأثراَ بما يَحصل في سوريا، ما زال البعض يتصَرف وكأن شيئاَ لم يكن. فـ"حزب الله"، الأكثر انغماساً بالملف السوري بحكم التحالُف العقائدي والاستراتيجي الذي يربطه بسوريا وصولاً لإيران، لم يُغَيّر أيّ شيء في التكتيك الذي يَعتمده منذ سنين طويلة والذي أدى الى كوارث عدّة على الصعيد الوطني وعلى بيئَتِهِ الخاصة تحديداً. من الحروب المدمّرة الى المعارك الداخلية الى الشُبُهات التي تَحوم حوله بعد توجيه الاتهامات القضائية الى العديد من عناصره ومسؤوليه في العديد من عمليات الإغتيال، وكان آخرها محاولة اغتيال النائب بطرس حرب، وصولاً الى ارسال عناصره للقتال الى جانب جيش النظام بِهَدف قَمع الثورة السورية، وَضَعَ الطائفة الشيعية من حَيثُ يَدري أو لا يَدري في مَوقعٍ صعب وخطير جداً يحتاجُ الى حِكمة ومَجهود كبيرين للخروج منه.
بَعدَ حرب تموز المُدَمِّرَة على كافة الصُعُد، أطل نصرالله على اللبنانيين ليقول لهم جملة: "لو كنتُ أعلم"، والتي لم يَتجرأ حَليفه على النُطق بها عندما اعترفَ مؤخراً وبعد 22 عاماً على حُروبه المُدَمِّرَة أيضاً وأيضاً، بأنّ اتفاق الطائف وضَع حدّاً للحروب العبثية في لبنان. فمِن حِرصِنا على جميع المكونات اللبنانية، وبما أنّنا أكيدون من أنّهُ لن يكون بالامكان التبرير بـ "لو كنتُ أعلم" وأن الأيام والأشهر المقبلة ستكون كارثية وقاسية إن بَقيَ حزب الله على سلوكِه الحالي، آخذين بِعَين الإعتبار أن أي نِظام سَينشأ في سوريا سيكون حتماً عدواَ للحزب، الى جانب العداء المَوجود حالياً مع أكثرية اللبنانيين، نقترح بعض الخطوات التي من الممكن أن تؤدي الى تجنيب "حزب الله" وجماعته مآسي الأيام الصعبة المقبلة والتي ستؤثر على وجودهم كحزب أساسي وفاعل في الحياة السياسية اللبنانية.
أولاً: إبلاغ رئيس الجمهورية بأن الحزب مستعدّ لتسليم سِلاحه فوراً وتفكيك منظومَته الامنية والعسكرية والتَحوّل الى حزب سياسي لبناني وفَك ارتباطه بالجمهورية الاسلامية الايرانية مُقابل عفو عام عن كل الجرائم السياسية التي حَصَلت قبل تاريخ العفو، فقريباَ سيصبح هذا السلاح من دون أي قيمة.
ثانياً: الموافقة على تشكيل حكومة حيادية مُهمتها اجراء انتخابات نزيهة وشفافة على أساس قانون عادل يَتمثل فيه الجميع بطريقة صحيحة.
ثالثاً: رفع الغطاء عن كل عصابات السرقة والخطف والتهريب والتزوير للافساح في المجال للاجهزة الامنية بالقبض عليهم أينما وُجِدوا.
أخيراً وليس آخراً، التقدُّم باعتذار واضح وصريح الى كل اللبنانيين عن كل الجرائم والارتكابات التي قام بها "حزب الله" على مدى سنينٍ طويلة.
عندها فقط يمكننا أن نبدأ جدّياً ببناء وطن يَتَّسِع لنا جميعاً من دون حِقد يملأ القلوب كما هو حالنا اليوم، لِيَنعَم أولادنا بِمُستقبل واعد وعَيشٍ كريم، بعيداً عن الحروب والاغتيالات والمآسي. هذا الوطن الذي عانى الويلات والخراب والدمار والغزو والاحتلال على مرّ العصور، خصوصاً في الفترة التي تَلَت اعلان استقلاله، يستحق منا أن ننزل قليلاً عن عروشنا الوهمية الزائلة حتماً، ووضع مصالحنا الفئوية الضيقة جانباً، والعمل يداً بيد لإعادته منارةً لهذا الشرق.