كتب طوني عيسى في صحيفة "الجمهورية":
ليلة صدور النتائج في العام 2009، بقي فريق «8 آذار» ومحلِّلوه الانتخابيون يجزمون، مباشرة عبر الشاشة، بأنهم فائزون بغالبية المجلس النيابي الجديد. وعندما ظهرت نتائج زحلة، تغيَّر كل شيء.
لا يريد هذا الفريق تكرار السيناريو في الموعد المفترض للانتخابات المقبلة. لذلك بادر عبر نواته القوية والفاعلة، أيْ "حزب الله" إلى تولّي الأمور بنفسه في معركة زحلة. ودخل "الحزب" على الخط الزحلي من خلال عضو المكتب السياسي غالب أبو زينب، وهو أحد وجوهه المعروفة بانفتاحها على الأوساط المسيحية، وهو العائد حديثاً من الفاتيكان حيث شارك في الاحتفال بتنصيب البطريرك بشارة الراعي كاردينالاً. ونزول "حزب الله" إلى الأرض في معركة زحلة الانتخابية ربما يكون الدليل الأبرز على أن "الحزب" وحلفاءه يعملون جدّياً لانتخابات في موعدها، انطلاقاً من اقتناعهم بأن الظروف السائدة اليوم، والتي تسمح لهم باستخدام كل الوسائل لتقرير نتائج الانتخابات، قد لا تتكرّر إذا ما جرت تغييرات للمعادلة في سوريا.
في المبدأ، لم يكن "حزب الله" راغباً في الظهور بهذا الشكل في المدينة ذات الغالبية المسيحية. وحتى اللحظة، كان يفضّل أن يعطي الفرصة لحليفه العماد ميشال عون لينجز التحالفات الكفيلة بفوز اللائحة في زحلة. لكن النتائج لم تكن مطَمْئِنة. وأدرك "الحزب" من خلال المتابعة أن نجاح المهمة متعذّر بسبب عدم قدرة عون على معالجة الخلاف مع النائب الياس سكاف، وأنّ هذا الأمر سمح للأخير بمدّ خطوط في الاتجاه الآخر، ظهرت في الزيارة التي قام بها إلى السعودية، والتي أعلن بعدها أنّه عازم على تشكيل كتلة زحلية مستقلة عن فريقي "14 و8 آذار".
في الحسابات الانتخابية، إعلان سكاف لائحة ثالثة يعني فوز "14 آذار" في انتخابات زحلة. والفوز في زحلة يكاد يكون، في حال اعتماد قانون 1960، حاسماً للمعركة على مستوى لبنان كله. ففي انتخابات 2009، كان عون وسكاف في لائحة واحدة، ومع ذلك فقد خسرا المعركة. إضافة إلى ذلك، كان الوزير نقولا فتوش في لائحة "14 آذار". لكن عودته إلى "8 آذار"، لا تعوِّض هذا الفريق ما يفقده. ومن هنا شملت جولة أبو زينب الأخيرة كلاً من سكاف وفتوش والنائب سليم عون ومطران الروم الكاثوليك عصام درويش.
حتى اليوم، يتبادل كل من عون وسكاف المسؤولية عن خسارة الانتخابات السابقة. ويقول الوزير السابق إن "الجنرال" يريد منه فقط شعبيته ليحظى بحجم في المجلس النيابي، من دون الاعتراف بأن لزحلة شخصيتها وخصوصياتها. ويحاول "حزب الله" أن يوجد الخيط الرفيع الذي من جهة يُرضي طموحات عون، المقتنع بأنه زعيم مسيحي عابر للدوائر الانتخابية، ومن جهة أخرى يحافظ على معنويات سكاف في البيت الزحلي.
موقف «تكتيكي»؟
ويتردّد في أوساط "8 آذار" الزحلية أن لدى "الحزب" انطباعاً عن ملامح عرض تلقّاه سكاف في الرياض، لكنه لم يُنجَز. ولذلك يمكن لـ "الحزب" التدخل والحؤول دون إنجازه. وتوضح الأوساط أن "الحزب" يتعاطى مع موقف سكاف الأخير، في شأن اللائحة المحايدة، على اعتباره "تكتيكياً" بهدف رفع السقف للتفاوض انطلاقاً منه. وثمّة لقاءات ومشاورات مع سكاف في زحلة وبيروت لاستعادة لائحة 2009. وعلى الأرجح، سيكون من الصعب عندئذٍ العثور على الصيغة التي تريح فتوش.
وبدءاً من اليوم، لن يتهاون "حزب الله" في مسألة زحلة. فالوقت بات ضيّقاً. وإذا كان "الحزب" يستعدّ لخوض معركته الانتخابية بالتنسيق مع الوسطيّين، من الرئيس نجيب ميقاتي إلى النائب وليد جنبلاط وسواهما، فالأحرى أن يجري التنسيق مع "الوسطي" سكاف في زحلة أيضاً. وفي اعتبار "الحزب" أن "أخذ سكاف معنا" هو من المقتضيات الأساسية للمعركة.
في المقلب الآخر، يبدي فريق "14 آذار" ارتياحه إلى المعركة. هو أولاً يؤكد أن لا خلاف بين "القوات اللبنانية" والكتائب، وأن اتفاقاً سيحصل على المقعد الكاثوليكي الذي شغر في اللائحة بسبب التموضع الحالي لفتوش. ويعتقد الفريق بأن خروج فتوش لا يأخذ شيئاً مُهمّاً من الأصوات التي حصلت عليها اللائحة في العام 2009، والتي ضمنت لها الفوز. ففريق "14 آذار" هو الذي أعطى فتوش وليس العكس.
ومن البديهي أن يكون فوز "14 آذار" مضموناً أكثر إذا توزّعت زحلة في ثلاث لوائح: "14" و"8" و"سكاف". ولكن، وفي ظل الضغوط الهائلة التي سيتعرَّض لها الملف، من المبكر التأكد هل هناك لائحتان أو ثلاث.