#adsense

بواخر جبران : هكذا يُدار البلد

حجم الخط

كتب أنطوان فرح في صحيفة "الجمهورية":

ملف الكهرباء، يشكّل في تفاصيله من حيث الشكلوالمضمون احدى الفضائح التي تُقدّم نموذجا للفساد والاهمال وغياب المحاسبة في الدولة. هذا النموذج، يختصر معاناة الناس، ومصدر الأزمات الواقعي، لأنه يعكس الصورة الحقيقية لقسم كبير من الطبقة السياسية، ووضع المواطن المغلوب على أمره.

مرّ قطاع الكهرباء بمفاصل عديدة، منذ انتهاء القتال الداخلي في العام 1991، مرورا بحقبة الاحتلال السوري للبنان، وصولا الى التحرير الذي تمّ في العام 2005. وخلال كل تلك السنوات، أمكن تسجيل الملاحظات التالية:

اولا – ان النزف الذي تدفعه الخزينة سنويا لتغطية العجز المالي اتجه تصاعدياً حتى بلغ حوالي مليار و250 مليون دولار في العام 2011. والعجز الى ارتفاع مستمر.

ثانيا – ان التغذية بالتيار في تراجع مستمر منذ سنوات. والتقنين القاسي المتبع اليوم، لم يكن متبعا بين 1991 و2005.

ثالثا – ان سرقة التيار، سواء عبر السرقة المباشرة من الاسلاك، (التعليق)، او عبر الامتناع عن دفع الفواتير من الامور المستمرة والمستعصية على المعالجة منذ سنوات.

رابعا – ان دفع فاتورتين، فاتورة الدولة وفاتورة المولد اصبحت من الثوابت، في كل المناطق باستثناء بيروت الادارية التي سُحبت منها المولدات على اساس تأمين التيار 24 ساعة، لكن الامور ساءت مؤخرا، وصارت العاصمة تتعرض لتقنين جزئي، من دون امكانية الاستعانة بالمولدات لتأمين الطاقة في فترات التقنين.

هذه الملاحظات قائمة منذ عشرات السنين، ولم تنجح السلطة السياسية حتى الآن في معالجتها، على رغم ان المعالجة لا تحتاج سوى الى خطة واضحة وتنفيذ متقن. وهذا الأمر وعد به وزير الطاقة الاصلاحي جبران باسيل المواطنين. وخاض حربا ضارية مع كل "الفاسدين" لاقرار خطته لانقاذ قطاع الكهرباء، ووضع حد لهذه المشكلة المزمنة في البلد. وقد اضطر الى محاربة الاقربين والابعدين من اجل خطته، بمن فيهم رئيس الحكومة الذي تواجه معه في اكثر من مناسبة حول هذا الموضوع.

كذلك خاض باسيل مواجهة قاسية مع بعض قوى 14 آذار التي كانت لديها ملاحظات على الخطة، من ضمنها المطالبة بالاقتراض من الصناديق العربية، بدلا من صرف الاموال من الخزينة، وتشييد مصانع انتاج بدلا من الاستعانة ببواخر لتوليد الطاقة.

لم يقتنع باسيل بكل الملاحظات التي سمعها من أهل البيت ومن الخصوم، واضطر رئيس كتلة التغيير والاصلاح العماد ميشال عون الى النزول شخصيا الى المجلس النيابي لفرض تمرير خطة باسيل الكهربائية بقيمة مليار و200 مليون دولار.

انتهى فصل المواجهات بين "الاصلاحيين" و"الفاسدين" عند هذه النقطة. وبعد ذلك صارت الكرة في ملعب وزير الطاقة ومستشاريه. وفي الواقع، كان في امكان باسيل ان يسجل هدفا ثمينا على حلفائه المشككين وخصومه المعارضين لو انه تصرّف وفق معادلة خطة واضحة وتنفيذ متقن.

هذا الأمر لم يتم، وقد فوجىء الناس بكمٍ هائل من الأزمات التي لم تكن في الحسبان. والمشكلة الاكبر ان المواطن واجه كمية من الكذب لم يعهدها من قبل. وحتى الان، لا يعرف الرأي العام لماذا لم تصل بواخر الكهرباء الى الذوق والجيه. باسيل يتبادل الاتهامات مع وزارة المال حول تأخير الدفعة الاولى للشركة التركية، خصوم الوزير يتحدثون عن احتجاز الباخرة التي كان مقررا ارسالها الى بيروت في باكستان بسبب خلافات بين الدولة الباكستانية والشركة التركية، التي تقول اسلام اباد انها أخلّت بالعقد معها ولم تزودها بكمية الطاقة المتفق عليها، كما انها لم تتخذ الاجراءات الكفيلة بمنع تلويث الشاطىء حيث كانت ترسو. وباسيل يكتفي بتهديد من يسترسل في الحديث في هذا الملف! ويواصل القتال مع وزارة المال. لم تدفعوا المال يقول لهم. يجيبونه : دفعنا وحوّلنا لكنك لم تستكمل الاجراءات لفتح الاعتماد. يردّ عليهم: لم أكن اعرف الاجراءات، كان حريٌ بكم أن تفيدوني بالخطوات المطلوبة. يأتيه الجواب: لم نتوقع ان تكون وزارة الطاقة جاهلة لآلية فتح الاعتمادات! هذا النوع من الحوارات، يعطي فكرة عن المستوى الذي تُدار به الدولة، وعملية الاصلاح المنشود.

في موازاة البواخر، التي كان يُفترض ان تزوّد البلد بنحو 270 ميغاواط، ثمنها حوالى 350 مليون دولار، كان مطلوبا من وزارة الطاقة تلزيم بناء معمل لتوليد الطاقة في دير عمار. وهنا أيضا لم يمر القطوع على خير، وكأن هذا النوع من الاعمال يحتاج الى اجتراح العجائب. والعجيبة حصلت فعلا عندما "فرقت" مع جبران في كلفة المعمل حوالي 160 مليون دولار. اذ كان مقررا في الخطة ان تكون كلفة المعمل حوالي 500 مليون دولار، لكن المناقصة رست على شركة اسبانية بقيمة 660 مليون دولار! وهنا عاد جبران الى الشكوى، مطالبا باعادة النظر في المناقصة. والبقية يعرفها الناس، وقد ملّوا المشهد الشاذ المتكرّر.

في كل الاحوال، ما اكتشفه الناس في هذه التجربة، ليس النفاق والانفاق غير المبرّر، بل حجم "الولدنة" ايضا في ادارة شؤونهم الحياتية. والنتيجة الاصلاحية الواضحة حتى الان، ان البلد مستمر بلا كهرباء لسنوات طويلة الى الامام.

 

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل