غداة وقوع الجريمة المروعة التي أودت باللواء الشهيد وسام الحسن، وقف الرئيس نجيب ميقاتي أمام الإعلام في قصر بعبدا، ليعلن على الملأ، وبكل صراحة ووضوح: أن الطائفة السنية مستهدفة.
لم يكن رئيس الحكومة يعبّر عن شعوره الشخصي فقط، ولا نخاله أنه أيقن من هذا الاستهداف اثر اغتيال رجل الأمن الأبرز في البلد وحسب، لأن الاستهداف المتمادي لم يكن وليد الجريمة التي نكأت الجراح، بقدر ما كان نتيجة تراكمات لسلسلة من المواقف والممارسات، المحلية منها والإقليمية، والتي تصب كلها في خانة النيل من الطائفة السنية وإضعاف دورها وموقعها في المعادلة الوطنية.
ولعل إلقاء نظرة سريعة على ما أصاب هذه الطائفة الأساسية، والمؤسسة للكيان اللبناني، يُبين مخاطر الاستمرار في سياسة الاستهداف القاتلة، والمضاعفات الخطيرة المترتبة عليها، على سلامة النسيج الوطني اللبناني، وفي الحفاظ على أمن وحدة البلد.
امتناع أهل السنّة والجماعة عن المشاركة في حرب السنتين التي اندلعت في نيسان 1975، وما تلاها من حروب عبثية حتى نهاية الثمانينات، لم يحل دون تعريض مدنهم وممتلكاتهم وأوقافهم للخراب والدمار، الأمر الذي انعكس سلباً على أوضاع آلاف العائلات، التي وجدت نفسها فجأة بلا معيل، بعدما فقدت مورد رزقها.
وجاءت هيمنة الميليشيات على مقدرات البلاد والعباد، لتضغط باتجاه تحجيم دور السنّة السياسي، وتراجع موقع رئيس الحكومة في القرار الرسمي.
وذهبت معظم المشاريع التي طرحت لتسوية الأزمة الداخلية إلى حدّ تجاهل الدور الفاعل لأكبر طائفة في لبنان.. إلى أن حصل مؤتمر الطائف الذي أنهى سنوات مريرة من الحروب المتتالية، وأعاد التوازن المنشود بين الطوائف، في صيغة إصلاحية نالت دعماً عربياً وغربياً واسعاً.
* * *
بروز نجم الرئيس رفيق الحريري في مطالع التسعينات، لم يوقف عمليات الاستهداف، سواء من الجانب السوري، أم من بعض الأطراف الشريكة في الوطن، التي لم تحسن تقدير مسيرة النهوض والإعمار التي قادها رجل فذ جمع بين الحماس للوطن، والصبر على الخصوم والعرقلات، لإعادة بناء ما دمرته الحرب، في أسرع وقت ممكن.
ولولا قدرة رجل الدولة الخارقة على امتصاص الأزمات، والتغلب على الصعوبات، لما كانت بيروت تزهو اليوم بهذا الوسط العامر، ولما كانت مشاريع البنية التحتية، من أوتوسترادات ومدارس ومستشفيات واتصالات متطورة، قد أبصرت النور في طول البلاد وعرضها.
لم تشفع إنجازات رفيق الحريري، ولا إخلاصه لوطنه، ولا علاقاته التي وظفها لمصلحة لبنان وسوريا، من استمرار التآمر عليه، حتى تمكنوا من تفجير موكبه المصفّح ظهيرة ذلك اليوم الأسود من شباط 2005، فكانت إزاحة هذا الرجل الاستثنائي عنوان مرحلة جديدة، أقسى وأعنف، من الاستهداف ضد الطائفة السنية.
لسنا بوارد نكء جراح سنوات الصراع المريرة ما بين عامي 2005 و2009، والتي شهدت أسوأ ممارسات الاستهداف، التي كادت تدفع البلد كلّه إلى أتون فتنة مذهبية مدمـرة، لا تُبقي ولا تذر، لولا لطف العناية الإلهية، ومساعي الأشقاء في الإسراع بإطفاء الشرارة، قبل اندلاع النار الحارقة للأخضر واليابس، في هذا البلد المعذّب.
خُـيّل لكثيرين أن «صلح الدوحة» والعودة إلى حكومات «الوحدة الوطنية» بعد انتخابات 2009، سيعيد الأمور إلى مجاريها الطبيعية، وترميم العلاقات في الجسم الإسلامي، بعدما تعرّضت له من خضات ونكسات.
ولكن الانقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري، وتعمّد نسف الحكومة عشية وصوله إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس الأميركي، أعاد مشاعر الحذر والشك من سلامة الأوضاع من جديد، سرعان ما تحول الشك إلى اليقين بعدما برز «الفيتو» المعروف ضد عودة الحريري إلى السراي، والذي أجهض أصحابه المحليين والإقليميين مساعي الوساطة القطرية – التركية.
* * *
ورغم حرص سعد الحريري، وما يمثل بالنسبة لقيادة الطائفة، على الالتزام بنهج المعارضة السياسية والدستورية، وعلى الحفاظ على أسلوب الاعتدال والانفتاح في المواقف اليومية، فقد استمرت عمليات الاستهداف، وأخذ تنحو نحو التشدّد والعنف أكثر فأكثر، خاصة في المعارك والمواجهات المتكررة في طرابلس، وبلغت ذروتها في اغتيال اللواء وسام الحسن، والتهديدات المستمرة لرموز وفاعليات الطائفة من سياسيين ورجال دين، والتي كان آخرها ما وصل إلى مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار، واضطره للبقاء خارج البلد منذ نحو أسبوعين!
وما يجري حالياً من تصعيد ناري يطال شوارع الفيحاء الآمنة، والبعيدة عن منطقة التوتر بين التبانة وبعل محسن، بل وأيضاً ما يحصل في دار الفتوى منذ فترة، وتعميق الانقسام المتعمّد بين القيادتين السياسية والدينية، وصبّ الزيت الإعلامي على هذا الخلاف المستجد، هو أيضاً جزء من حملة الاستهداف المستمرة!
* * *
لم يعد خافياً، حتى على أصحاب هذه الحملات المغرضة، أن الاستمرار في استهداف طائفة الاعتدال والتسامح والانفتاح، من شأنه أن يؤدي إلى إشعال مشاعر الشباب والجيل الصاعد، الذي تعمد التيارات المتشددة على استيعابه، واستغلال مشاعر الإحباط السائدة في أوساط الطائفة، لتشكيل حركات اعتراضية شعبوية، لا تساعد على إطفاء مشاعر الكراهية، ولا تدعم إرادات رأب الصدع المتفاقم في الجسم الإسلامي.
لم يعد من السهل تجاهل الغليان الحاصل في الشارع السني، وخاصة في صيدا وطرابلس، ولا مصلحة لأحد في استمرار سياسة الكيد والاستهداف، ضد طائفة كانت وستبقى هي همزة الوصل بين اللبنانيين في الملمات، وتمسكت دائماً بعرى الحكمة والاعتدال والحوار.
المطلوب العودة إلى تحكيم العقل، والتسلح برؤية استراتيجية بعيدة المدى، تتجاوز تفاصيل حدث اليوم، إلى ما هو أبعد وأعمق، وإلى كل ما له علاقة في الحفاظ على وحـدة البـلـد أرضاً ومؤسسات، وإلى التمسك بوحدة المسلمين، التي تبقى أساس وحدة اللبنانيين، فإذا الأولى ضاعت.. الثانية انهارت!
ما يجري في المنطقة، وخاصة اليوميات الدامية في الشقيقة سوريا، يتطلب منّا جميعاً استيعاب الدروس والعِبر، لا سيما وإننا ما زلنا ندفع أثمان حروبنا العبثية أثماناً باهظة من مستقبل أجيالنا، من دون أن يتمكن فريق من الانتصار على الآخر، ومن دون أن تتمكن طائفة من إلغاء طائفة أخرى، ومن دون أن تستطيع فئة من التفرّد بقرار الوطن، دون سائر مكوناته الأخرى!