يجهد فريق 8 آذار منذ فترة، وعبر رئيس تكتّل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون تحديداً (رأس حربته المسيحية) في الحديث عبر وسائل الإعلام مطالباً بنحو شبه يوميّ بضرورة تعديل قانون الانتخاب الراهن، أي قانون «الستين»، الذي كان قد صال وجال في مدحه عند إقراره إثر مؤتمر الدوحة عام 2009.
ويجهد الفريق نفسه في الحديث عن ضرورة العودة إلى طاولة الحوار مع "14 آذار" برعاية رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، لأن لا مناصَ في النهاية من هذه الطاولة طالما إنّ الجميع محكومون بالتوافق بعضهم مع بعض في هذا البلد.
واللافت أيضاً في هذا الإطار، أنّ القطب الأبرز في الفريق نفسه، أي الامين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله كان قد دعا في ختام خطب عاشوراء الى الأمر نفسه مراراً، ولاقاه في ذلك الداعي الدائم الى الحوار رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي للبحث في مسألتين أساسيّتين: التوافق على التغيير الحكومي الذي يطالب به فريق "14 آذار"، وقانون الانتخاب الذي يسعى فريق "8 آذار" إلى تعديله بشتّى الوسائل المتاحة.
في المقلب الآخر، لا يزال فريق "14 آذار" يرفض الحوار لسببين، أوّلهما تجربته المريرة مع الفريق الآخر في هذا المجال، وثانيهما الهاجس الأمني الذي بات مرافقاً يوميّاً لقياداته، منذ اغتيال اللواء وسام الحسن.
لماذا إصرار "8 آذار" على طاولة الحوار الآن؟ لاعتبارات كثيرة، أبرزها:
أوّلاً: قلق هذا الفريق من تطوّرات الأزمة السورية وتداعياتها العملية على أرض الواقع في لبنان وسوريا معاً، بعد سقوط نظام الأسد (الحليف الاقليمي البارز للفريق نفسه)، وهذا القلق يدفعه بشدّة إلى محاولة التوصل لتسوية سياسية ما مع "14 آذار" علّه يستطيع كسب شيء في السياسة قبل المتغيّرات المنتظرة على الساحة السورية.
ثانياً، سعيه الدؤوب إلى تغيير قانون الانتخاب الحاليّ بشتّى الوسائل والطرق المتاحة قبل أن يدهمه الوقت ويصبح مجبراً على القبول بالقانون الساري المفعول، المعروف بقانون الستّين، والذي سيعيد على الأرجح إنتاج القسمة ذاتها بين "8 و14 آذار"، بمعنى بقاء الوضع على ما هو عليه، وهذا ما لا يريده فريق 8 آذار ولا داعموه الإقليميّون، أي النظام السوري وإيران.
ثالثاً، محاولة الفريق نفسه الإفادة السياسية من الدعوات المتكرّرة إليه للجلوس الى طاولة الحوار (في ظلّ الرفض المعلّل للفريق الآخر)، وتحديداً لجهة عون الذي تراجعت شعبيته بمقدار كبير منذ العام 2009 وفقاً لعدد من مكاتب الدراسات المحلية التي تُعنى بالشأن الانتخابي في لبنان.
ماذا في المقبل من الأيّام وسط تمسّك كلّ فريق بموقفه؟
المراقبون الدائمون للأوضاع في لبنان وتفرّعاتها الإقليمية والدولية يشيرون الى المحاذير الآتية:
1 – إنّ الوضع المتأزّم والمتفاقم في سوريا يفرض على مختلف القيادات المعنية في لبنان، وتحديداً قيادات "14 آذار"، كونها تعرّضت ولا تزال للاغتيالات، إتّخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر (وهذا ما يفعلونه على كلّ حال) خصوصاً أنّ اللعب بات "عالمكشوف" بين هذه القوى من جهة وبين النظام السوري وحلفائه اللبنانيّين من جهة أخرى، مع اختلاف موازين القوى طبعاً بين الفريقين لناحية القدرات الأمنية واللوجستية التي أظهرت وتظهر دائماً تفوّقاً بارزاً لهذا النظام في الداخل اللبناني.
2 – إنّ استمرار الستاتيكو السياسي الحاصل في البلاد منذ فترة ليست بقصيرة، لا يبشّر بالخير وينبئ بأحداث أمنية هنا وهناك. وقد شهد اللبنانيون بعضها ولا يزالون في طرابلس وصيدا على سبيل المثال، والخوف في هذا الإطار يكمن في تمدّد هذه الأحداث وتشعّبها في أكثر من مكان لحسابات تتجاوز الإطار المحلّي.
ماذا يعني هذا الكلام؟
يعني في اختصار أنّ لبنان مقبل على تطوّرات أمنية كبيرة ومحاولات "شطب سياسيّ" لعدد من القيادات التي يجب أن تحفظ رأسها مع تغيير خريطة دول المنطقة وفقاً للمثل السياسي والشعبي القديم "عند تغيير الدول إحفظ رأسك"، خصوصاً في هذه المرحلة الفاصلة عن موعد الانتخابات النيابية صيف 2013 المقدّر لها أن ترسم لوحة سياسية جديدة في البلد في حال حصولها، لا أن تبقى الصورة على ما هي عليه اليوم!