#dfp #adsense

البطريرك هزيم وقيامة القدس الشريف

حجم الخط

كان علينا منذ بدايات التحدي أن ندرك بمنهاج سيد الكلمة التوحيدية اغناطيوس الرابع هزيم ان "القدس ليست حجارة، القدس مكان نعيشه او نحمله في نفوسنا حتى ونحن جالسون في بيوتنا عندما نصلي يذكر المسلم المسجد الاقصى، ونذكر نحن القبر المقدس، والمسجد الاقصى والقبر المقدس هما في القدس قدس واحدة" (1).

ان عنوان البطريرك هزيم وقيامة القدس سيواجه في العمق مخطط تجريد القضية الفلسطينية من بعدها المسيحي. ويمكن القول ان آراء صاحب الغبطة ومواقفه بخصوص قضية القدس ومستقبلها تتكامل لتصبح نموذجا يقتدى للمسيحية العالمية.

من هنا ان الكنائس العربية القبطية والارثوذكسية والمارونية والكاثوليكية والانجيلية والسريانية وغيرها، تستطيع ان تؤدي دور الجسر بين العالم العربي والاسلامي والعالم الغربي مباشرة عبر الكنائس الشقيقة، وعبر الكنيسة الدولية.
ولان القدس تواقة الى وحدتنا والى الانتصار على فتن الشرذمة والانقسام التي تفتك بنا، نتطلع بعيون دمشق الوفية للقدس.. ان تولد القدس فينا ونولد فيها، فالقدس القيامة لن تكون جنازة، ولن نكون نحن موتاها او رفات ترابها المستباح ما دام عرين القدس كنيستها النابضة بوحدة القلب والروح والجسد.

ولا نعني من قيامة القدس إلا أن تقوم على مقوماتها الأولى عاصمة دائمة لمهد التوحيد ومهد الرسالات والأنبياء.

والمسيحيون المواظبون على دينهم واخلاقهم بحسب الاشارة القرآنية، هم الامة القائمة من أهل الكتاب. والاستقامة هي الاعتدال والاقامة على الاسلام، والدين القيم هو الذي لا زيغ فيه ولا ميل عن الحق. والقيام والقيوم هو الواحد في صفة الله تعالى واسمائه الحسنى، والاقايم في الانسان عقل هو قلب كلما اوجعك في جسدك فقد قام بك، والقيام قيام الساعة ويوم الخلاص، والقيامة عند العرب يوم الجمعة، وقيامة المدينة اسم لما تقوم به فهو عمادها وسنادها، ولا توفى المدينة حق قيامها الا بالعلم والعمل.

والعروبة عنده جذر انتمائه وجامعتها المشرقية وطن الكنيسة التي قامت زهرة للمدائن من أزاهير آلامها بقيامة القدس الارض التي يجري تزويرها الآن على مساحة رسمت حدودها سلفا على قياس الشعب الواحد والدين المفرد الذي لا يسمح باية صيغة من صيغ التنوع والتعددية. فيما حدود القدس في الرجاء المسيحي تمتد بكل وحدة المسيح الحاضر ابدا في توهج الانجيل بالقدس بوصفها عنصرة قيام.

وعلى معمار هذا الحب تلتحف الارثوذكسية العالمية آفاق الرجاء… فاذا بالقدس عند صاحب الغبطة منذ تسلمه عصا الراعوية" محجة وهي قائمة في قلب الدنيا العربية رمزاً لحرية الانسان من القمع والصلب" (2).

"ومن كنيسة أورشليم اتجهت انطاكية للتأمل في انسانية السيد المسيح بينما كانت الاسكندرية تتأمل في الوهيته" (3). والكرسي الانطاكي المقدس تلالا في القدس، وامتد في كل الجهات بوحدة الرسل المزدانين برهافة الحس وصلابة المناعة ورحابة الارض التي تتسع للجميع.

"وقدس المستقبل طالعة من تلاقي المعتقدات الابرهيمية الثلاثة" (4) من اجل الانسان، ومن هنا نفهم وحدة الرسل لا في معنى وحدة الدين فحسب، وانما في معنى فلسفة القيام.

والقدس في قاموس صاحب الغبطة وفلسفته العقدية والوطنية والانسانية هي: قلب انسانيتنا – ومدينة صلاتنا – وملتقى اخوتنا – ومحج افئدتنا – ورباط وحدتنا – ومرتجى ابتهالات نال وجه الله والركن الثابت لكل سلام… ولا حل لمستقبلها الا بالعدالة والاهتمام بمصيرها واجب كل مسيحي، ولن يتنازل المسيحيون عن رباطهم بالقدس الشريف.

وفي الفصح من ايار 1986. يقاوم صاحب الغبطة خطر تزييف المرأة والهوية في ملعبين من ملاعب السياسة:
احدهما: ملعب التهويد.

وثانيهما: ملعب التغريب "في دق جرس الانذار لكي تصبح هويتنا ليست هوية القدس، ليست هوية بيت لحم، وليست هوية الناصرة، وليست هوية دمشق وصور وصيدا. أعني الاماكن التي ذكرها الكتاب المقدس بالاسم… فجاء من ينقلنا الى حيث لم يولد المسيح، الى حيث لم يخرج رسول واحد من لاثني عشر" (5).

ان حضور التوحيد في الجغرافيا سيكشف عن خصوصية "هذه المنطقة التي احب الله الانسان فيها" (6). وهي الارض المباركة بصريح القرآن الكريم في آية الاسراء.

ولا يمكن بالمنظار الفلسفي اللاهوتي لحقيقة التجسد ان نفصله عن جغرافيته المقدسة والمباركة.

كذلك يربط صاحب الغبطة بين فلسفة الكلمة بالتجسد وتأسيسها لعلاقة المسيحي – بالارض – ولان التدين المسيحي ليس سبحة في الفضاء او ثريات معلقة في الغيم، فهو مسكون في ثالوث الجغرافية التي تقدست بالمسيح من بيت لحم مرورا بالناصرة وصولا الى بيت المقدس وحزامها الجولان ونهر الاردن لتمتد بركاتها من كل فلسطين ومن كل سوريا الى كل العالم… صحيح ان المسيح ومملكته ليست في هذا العالم، ولكن مملكة المسيحيين هي في قلب القدس اي في لب الايمان التوحيدي. والقدس الدينية بمنظار صاحب الغبطة: "هي العاصمة الدينية المسيحية الوحيدة من دون منافس، ومن دون ان يتنافى ذلك مع قدسيتها الكبرى عند اليهودية والاسلام… من هنا، فان الجانب البشري من قيامة القدس تتأكد عند صاحب الغبطة بتحقيق شرط التواصل الجسدي نحو قبر المسيح وقيامته". وهي دعوة ايمان للامتزاج بتراب القدس وروحها بعيدا من الهوى السياسي الذي يخطف الروح منها ويخنقها مصلوبة في واضحة النهار

الهوامش:
– (1) المصدر نفسه.
– (2) من خطب تنصيب صاحب الغبطة في الكاتدرائية المريمية في دمشق 8 تموز 1979.
– (3) من خطابه في كنيسة سان لويس – باريس 17 تشرين الثاني – معربة عن الفرنسية.
– (4) المصدر نفسه.
– (5) في كنيسة بملكة سورية – 1986/5/18.
– (6) كنيسة الصليب – دمشق 1998/10/29.

المصدر:
النهار

خبر عاجل