أما البطريرك الآتي فالتحديات أمامه مفصلية وكبيرة جداً. في الكنيسة، لا بد من تجديد للرؤية الرعائية والبشارية، ومأسسة للشركة والشورى في الكنيسة وطرق توثبها بفاعلية وحضور في عالم اليوم المتأزم عالم الصلة والاتصال. وفي المشرق المتأزم، الذي يعيش مخاضاً صعباً لولادة عالم يسعى للمواطنة الحقة التي تساوي بالحقوق والواجبات دون تمييز ديني أم عرقي. ففي شرقنا اليوم أخطار جمة، مصالح دولية واقليمية متنازعة، ومشاريع شمولية قاتلة للحرية فيها شخصنة جديدة، وآحادية دينية او سياسية، تجعل المواطن غير المنتسب اليها خاضعاً لها. في هذا الاطار، سيدرك البطريرك الجديد سريعا ان نعمة قيادة السفينة التي ستنسكب عليه هي اليوم أكثر من اي يوم مضى، سيف ذو حدين يتطلب استعماله صلابة ايمانية وصفاء روحيا، وجرأة كنسية وسرعة في التمييز دون تسرع وشمولية في الفكر، ومنهجية في العمل، وواقعية بناء للتعامل مع الحداثة، ورؤية متجددة لعالم اليوم. عليه ان يكون اولاً الأب المحب والمدبّر المدرك والمنسق لكل شيء وليس الرئيس بالمعنى الوظيفي الاداري للكلمة الذي يحصر السلطات بين يديه والمقربين. عليه ان يكون الملهم الذي ينمي التمييز لدى أبنائه وليس المدير الذي يملي الأمور من فوق، فتنقلب الكنيسة من امامة روحية الى رئاسة فوقية دهرية. عليه ان يكون في القضايا المفصلية المتكلم المستمع الذي لا يختصر الكلام بشخصه، بل يتكلم آخراً بعد ان يكون قد استمع لما يلهمه الروم للجميع فيكون قوله ناطقاً للكنيسة جمعاء. عليه ان يكون اكثر من بطريرك، بل نبي فاعل، يؤنب ويهذب ويشير الى الطريق المستقيم، يتوثب في الكنيسة والمجتمع بشخصانية دون ان يقع في الشخصنة. عليه ان يكون ذلك المدبّر الواعي الذي يسعى الى المأسسة الكنسية الصحيحة دون ان يقع في فخ المؤسسات التي يطغى فيها الحرف على الروح. فإن كان الأب المحب، إمام الشورى، سيد المأسسة، مدبّر الشركة ومحرك المواهب، فلا خوف ان يكون السيف بين يده، سيف الرب، قاطعاً باستقامة كلمة حق. فيكون لنا حينئذ الأطر الكنسية والروحية لشهادة ارثوذكسية انطاكية فاعلة ورائدة في هذا الشرق والعالم. شهادة لا يكون فيها تقليدنا الكنسي ارثاً متحجراً، مختوماً ومغلقاً عليه، ورثناه من آباء كانوا منارة للقول والفعل في هذا الشرق، بل حركة إيمانية متجددة دائماً، منفتحة على العالم والآخرين، لغة تخاطب تجعلنا قادرين على أن نقدم على شراكة وطنية في مجتمعاتنا المشرقية تكون الأديان فيها والأنظمة السياسية على قول الإمام الصدر، في خدمة الانسان، وحريته وكرامته ونمو عيشه. فنرجو الله أن يكون بطريركنا الآتي على اصالة ايمانية وذكاء في التموضع تفرضه كل هذه التحديات، فينطق هو برجائنا.
