#adsense

إغناطيوس الرابع إيمان راسخ وعقل مُبدع

حجم الخط

وأعمض عينيه وأسلم الروح. نشوته الآن في وصال تاق اليه، وتحرُّر مطلق حنّت اليه نفسه.
هل صمت المعلم الذي طالما اوحى وقوّم؟
إذا وقفتَ فوق نعشه تسمع كماً من الكلام ولا أفصح. رغم الصمت المدقع، ويحضرك تعليم ولا أبْيَن، وتهجم عليك الذكريات الحلوة، والجلسات الأنيسة الدسمة، والوصايا النازلة عليه وعليك من فوق، والواثقة بك انسانا قادرا على الابداع والتغيير.
تصفعك جملة وجّهها إلينا ونحن في مطلع الشباب: "كونوا مزعجين، دقوا ودقوا سبعين مرة سبع مرات…".

واذا لم تحظ في حياتك بمجالسته، والإصغاء اليه، والتحادث معا، يكفي ان تقرأ محاضراته وخطبه ومواعظه لتعرف أنك ازاء رجل مؤمن، وايمانه يقينيّ لا يخالطه امكان الريبة او الخطأ او الوهم. كان يقرأ قصد الله في الحوادث والناس. من هنا أتاه الصبر على تحمّل المشقات والمعوقات مهما بلغت، وهي كثيرة سحابة أيامه الطويلة. هذا الايمان الصخرة مكّنه من قبول الناس كما هم، وقراءة الله ومقاصده من وجودهم، فاحترم الاختلاف والمختلفين واحبهم جميعا. نسي اساءات كثيرة، كبيرة وصغيرة، والنسيان اصل المغفرة. انتبه الى الناس كل الناس وخدمهم خدمة لا تميز لأنه آمن انها خدمة تُسدى، في نهاية المطاف، الى الإله خالق العالمين أجمعين.

ولأن ايمانه صادق، شدد على ان الحياة لا يضبطها قبر. غمره دائما الفرح ولم يفهم يوما المؤمن المعبس. لقد رأى في الوجوه الواجمة المعبسة دليلا وجوديا على ان الايمان المستقيم لم يعجن بعد كيانها برمته. البطريرك المنتقل عنا شاهد حي ان المسيح قام!

أقدم فقيدنا في حياته، منذ فتوته حتى يومه الاخير، ولم يحجم. وذلك لانه مؤمن بأن "الله الذي فيه اقوى من الذي في العالم"، اقدم وانجز. وانجازاته الكثيرة في بيروت اولا، والبلمند ثانيا، ودمشق ثالثا اكدت له، وللعاملين معه وابنائه كلهم، "أن إن لم يبنِ الرب البيت فباطلا يتعب البناؤون". فالعمران، عند البطريرك هزيم، ابن الايمان والمحبة.

الايمان الراسخ عنده حمله على ايلاء العقل مكانته الضرورية في حياة المرء. خدم العقل بخاصة في الكنيسة لمّا ساهم مع اقران له في تأسيس معهد اللاهوت، وخدم العقل عموما في المجتمع الواسع لمّا انشأ المدارس ورعاها هنا وثمة.
من هذا المنطلق الايماني المستقيم، ميز سحابة حياته الاكليريكية بين التقليد الشريف والتقاليد وليدة الحضارات المتعاقبة. وهذه ليست من التسليم.

كنت اذا جلست اليه اثار هذه القضايا ورغب في اصلاحات حديثة ينحتها العقل الحديث المستنير بالايمان القويم. ولا يستطيع امرؤ تغييرا او اصلاحا ما لم يتسلح بالتقوى اولا، ومعرفة الايمان ثانيا، فيميز بين الشكل والمضمون المقصود وحده بحرية وعقلانية. اذا استمعت اليه متحدثا، في هذا المجال، تعي مفهوم "التقليد الحي" في كنيسة المسيح الذي "يصنع كل شيء جديدا". دعانا دائما ابونا الراحل عنا الى ان لا نجمد ونتحنّط ونتحجّر، دعانا الى "العبادة بالروح والحق".

هو بطريرك انطاكي لا غش فيه. شدد على التجسد الالهي والفكر الحر المتصلب في اصالته. هو سليل المدرسة الانطاكية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل