#adsense

ذكرياتي مع البطريرك أغناطيوس

حجم الخط

يهزّنا في الصميم غياب الكبار. معهم يعود يُطرح السؤال عن معنى الحياة، وعن الذي ينتظرنا بعد الحياة. قد يعزينا القول: "رئيس الكهنة لا يموت، رئيس الكهنة ينتقل". ويعزينا طبعا الايمان بأن يسوع الناصري قهر الموت وقام من بين الأموات. وتبقى غصة الفراق هي الغالبة، وجرحه لا يزول.

بين البطريرك وبيني ستون سنة من المحبة. كنا في خمسينات القرن الماضي بضعة طلاب جامعيين، من مذاهب مختلفة، نحجّ اليه في كلية البشارة الارثوذكسية مساء كل أحد، فيقرأ علينا نصا من الكتاب المقدس، أو من كتاب آخر يستوقفه، ويفسره لنا بأسلوب منطقي، ورؤية شاملة، فيها العلم والايمان، وفيها العقل الرياضي الخلاّق. كان الأب هزيم يجسد أحلامنا يومذاك بكبر وتواضع، وبمهابة لا نعهدها عند كثيرين. كان يأخذنا في شهر رمضان الى ساحة البرج، أيام زهو الساحة وصخبها، فيعرّفنا هناك الى ما يحب من تراث هذا الشهر الفضيل، وعاداته وتقاليده. وعندما عُيّن في العام 1962 أسقفا، ونائبا بطريركيا في دمشق، طلب أن أتعاون على ادارة كلية البشارة مع ألكسي بطرس، الرجل الكبير الآخر، ومؤسس الاكاديمية اللبنانية. هكذا بقينا نحن الثلاثة نرعى هذه الكلية التي أسسها على صخر، وكان يشرف على مجلس أمنائها صديقان له، الدكتور قسطنطين زريق والدكتور شارل مالك بعده… كم اغتنيت برفقة هؤلاء الكبار، وأنا في مقتبل العمر.

وتمر الأيام، ويتولى الأسقف هزيم رئاسة دير البلمند، وأنتقل انا الى الادارة في وزارة التربية، ونبقى معا على تواصل. أستنير برأيه حيث يكون، أو يزورني في منزلي، فتذكّره زوجتي انها تتلمذت في الصفوف التكميلية على يديه.

كان معهد القديس يوحنا الدمشقي في البلمند أحد همومه، كان يريده معهدا عاليا لتدريس اللاهوت. ولأن صداقة شخصية تربطني بوزير التربية الاستاذ ماجد حمادة آنذاك، الذي كنت أرى فيه رمزا للشجاعة والشهامة، نقلت اليه رغبة الاسقف هزيم، وهي رغبة بطريرك الطائفة الارثوذكسية الياس الرابع معوّض ايضا، فلم يتردد في تلبية الطلب. هكذا شكل هذا المعهد النواة الاولى لجامعة البلمند، التي تتألق اليوم بكلياتها ومبانيها، وتضاهي بعلمها وبحوثها أعرق الجامعات الكبرى وأحدثها.

جامعة البلمند كانت في قلب البطريرك أغناطيوس وعقله، والروح الجامعية الاصيلة احدى ميّزاته. وقد كان لي شرف مزاملته في التدريس الجامعي في الجامعة اللبنانية، قبل أن يتبوأ السدة البطريركية، وبقرار منه، أقرأ اسمي اليوم بين أسماء أول مجلس أمناء للجامعة الجديدة، وأول لجنة تنفيذية انبثقت من هذا المجلس، وضمت المطران جورج خضر، المطران الياس عوده، الاستاذ غسان تويني، وثلاثة أو أربعة زملاء آخرين. وكان هو يرئس اجتماعاتها.

وعندما وافق كبيرنا غسان تويني على أن يتولى رئاسة الجامعة، شاء البطريرك ان أكون نائبا له، الى جانب صديق لي، هو جورج صايغ.

سيذكر التاريخ ان البطريرك أغناطيوس رجل إيمان وحوار وبناء، والرجل الذي قاد كنيسته بوعي وحكمة وتجرد. في كل مكان وحيث يكون، يبني ويجدد، ويشهد للايمان. وفي جامعة البلمند، عندما كان الآخرون يهدّمون، كان هو يبني ويعمّر.
قلت مرة وأعيد، لو سئلت من كان وراء إنشاء هذه الجامعة، وانطلاقتها الاولى، لقلت إنهما صديقان منذ الصبا، أغناطيوس الرابع هزيم، وله الفضل الأول، وغسان تويني، ولا أخالني مبالغاً ولا مخطئاً.

غيابه اليوم مؤلم، وفجيعة تهزنا في الصميم.

المصدر:
النهار

خبر عاجل