ودّع المشرق، أمس، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق الأرثوذكسي أغناطيوس هزيم المثلث الرحمة، الذي إختاره ربّه إلى جواره «لأن الله يستأثر بأحبائه» على حد ما قال المطران الملفان جورج خضر متروبوليت جبيل وجبل لبنان، في رثائه البليغ.
كثيرون أرادوا أن يتسلقوا على المناسبة سعياً وراء ظهور تافه: إذاعيون، وسياسيون، وسواهم ممن غلب إظهار أنفسهم على حساب هذا القديس الذي افتقدناه ونحن في أمس الحاجة إليه: بعضهم للظهور في الصورة وحسب، بعضهم الآخر لادعاء معرفة لم تكن. إحدى الإذاعات التي شاءت أن تكرّم الراحل الكبير فإذا الإضاءة التي شاءتها على مشرقيته أضفت عليها غموضاً، وإذا بعض الذين إستضافتهم يغرقون في خطابية خشبية تافهة. البطريرك أغناطيوس لم يكن في شيء من هذا، كان واضحاً وضوحاً مسكونياً رائعاً. كان شفافاً. كان وحدوياً في الكنيسة وفي الإنسان عموما. ولكنه قبل هذا وذاك كان مسيحياً. كان هذا الشرق (وهو «المشرقي الكبير» كما قلنا ونكرر) لا يعني له شيئاً إذا لم يكن المسيحيون فيه «حاضرين» حضوراً فاعلاً.
كنت أعرف، من خلال لقاءات معه، إنه لم يكتف بإغناء ثقافته المشرقية العربية (وهو «بطريرك العرب») بالثقافة الإنكلو- سكسونية، بل أيضاً بالثقافة اللاتينية – الفرنسية، لذلك عشية قمة بيروت الفرنكفونية، وكنت عضواً في اللجنة التحضيرية العليا للقمة، إتصلت بغبطته وسألته نصحاً. وبتواضع العلماء والقديسين قال: يا إبني أنا لا أنصح، أنا فقط أتبادل الرأي معك. ثم زودني بالتوجيهات المهمة التي أقول اليوم إنني طرحتها كلها خلال مناقشات الإعداد للقمة، في إطار تلك اللجنة التي كان يترأسها الوزير السابق غسان سلامة.
مشرقيته وعروبته وسوريته ولبنانيته وارثوذكسيته لم تحصره في هذه الرقعة من العالم الغالية والعزيزة على قلبه، بل كان مسكونياً شمولياً، منفتحاً على صلابة إيمانه، مؤمناً على محبة لا حدود لها مستقاة من المعلّم الإلهي.
قلت مراراً، هنا، وأكرر اليوم، إنه كان يؤمن بلبنان التنوّع الخلاّق، ذات يوم كنّا في مناسبة أدبية تتناول غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير أمدّ اللّه في عمره. وكان المتحدثون المطران رولان أبو جودة والرئيس حسين الحسيني والوزير ميشال إده والأب يوسف ضو وكاتب هذا المقال. ويبدو أن كلمتي أعجبته كثيراً، وفي اليوم التالي أرسل لي يقول: «حفظ الله قلمك». وأضاف ما يخجل ذكره تواضعي.
وفي حوار معه حول المارونية والأرثوذكسية تشعب الكلام وما زلت أردّد قولا له: (سمعت مثله من سيادة الصديق الكبير المطران جورج خضر أمدّ الله في عمره) إذ قال: أنا لا أشك في أن مار شربل قدّيس. ولكن لماذا لا يعلن البطريرك الماروني قداسته؟ ولماذا يجب أن تُعلن قداسته من روما؟
ألا، رحمك اللّه رحمات واسعة أيها الذي يحق لنا أن نفتخر ونعتز بأن اللّه منّ علينا بأن منحنا سعادة أن نعاصرك ونعرفك ونحادثك ونحفظ عنك الكثير.
فإلى الأخدار السماوية من على يمين المعلَّم.