يؤلمني ويجرحني في الصميم ان اتوجه الى احبائي في العائلة البلمندية، ومن خلالهم الى العائلة المشرقية العالمية، مودعاً مؤسس جامعتنا ورئيس مجلس امنائها البطريرك التاريخي اغناطيوس الرابع.
نحن هنا في جامعة البلمند لأنه هو هنا. لولاه لبقينا منتشرين في جامعات المنطقة والعالم ومؤسساتها التعليمية. من بين كل بطاركة انطاكية الارثوذكسيين، وحده اغناطيوس الرابع تفرّد واسس جامعة تجسّد رؤيته لخدمة لبنان والمشرق العربي والانتشار الارثوذكسي في المهاجر.
فعلى غرار معلمه، السيد المسيح، لم يكتب اغناطيوس كتاباً، بل مثله علَّم بالكلمة وبالمثل، ومثله كان زاهداً في سلوكه، ناسكاً في حياته، ملتزماً بكليته خدمة الآخرين، ومنهمكاً في اعلاء شأنهم. "انت ارثوذكسي حقاً ان انت تحب الآخر حقاً، وترى نفسك من خلاله"، هكذا كان الراحل الكبير يعبّر عن نظرته الى الاخوة في المواطنة اسلامياً ومسيحياً.
لسؤال زائريه من كل انحاء العالم عن سيرة حياته، او عن كتب الفها، كان يبتسم اذ لم يكتب سيرة، ولم يؤلف كتاباً، فهو يعلّم ويعظ كصديق شغوف به، وبالرغم من تردد كبير منه، اقدمت على كتابة سيرة حياته في كتاب عنوانه "من محردة الى عرش انطاكية"، كما وضعت عظاته وكلماته في كتاب بعنوان "مواقف واقوال"، ذلك لأني وجدت في اغناطيوس الرابع ثروة فكرية ونموذجاً ارثوذكسياً حياً يعيش ايمانه بكل مستلزماته، فارتأيت ان اعرِّف العالم بهذه الشخصية الفذة والفريدة من خلال إصدار هذين الكتابين.
في مسيحيته كان إغناطيوس عملاقاً من نوع آخر، متجذراً في الكنيسة المشرقية التي انطلقت مع تلامذة المسيح من القدس الى انطاكية، ومن انطاكية الى العالم اجمع. يتكلم عن المسيح وكأنه واحد من ابناء بلدته. فالمسيح على حدّ قول البطريرك، وبلغة محردة، هو "واحد من جماعتنا"، فهو منا ومعنا، لونه اسمر، لغته لغتنا، تقاليده تقاليدنا.
"نحن ابناء المسيح"، يقول اغناطيوس. اخذ الغرب المسيحية من عندنا وميّزها ببعض خصائصه. لكن المسيحية اليوم في حاجة الى ان تسترجع جذورها المشرقية. فالمسيح علّم في القدس ودفن فيها، وفيها اعلنت قيامته الخلاصية للعالم.
اغناطيوس البلمندي، بطريرك العرب، هو عربي اصيل، يتقن العربية ويتغنى بها، ويفخر بالحضارة العربية التي كان للمسيحيين المشرقيين إسهام كبير فيها. من هنا ان حواراته ولقاءاته الأئمة المسلمين تميزت بالعمق الذي عليه يتأسس التواصل الانساني الحقيقي.
واغناطيوس، السوري المنشأ، من بلدة ارثوذكسية بالقرب من حماه، الذي حمل في صميمه صليب سوريا، اختار ان يكون لبنانياً، فأحب لبنان وحمل رسالته في المشرق والعالم. وما من احد اكثر من إغناطيوس الرابع تألم مع عذابات لبنان وعمل بقوة على انهائها داعماً مسيرة توحيده.
لم يملك البطريرك الناسك شيئاً، لا بيتاً، ولا ارضاً ولا كرمة عنب او زيتون. لم يحمل مالاً لا في جيبه ولا رصيداً في مصرف، ولم يعمل يوماً لنفسه او لعائلته. ولأنه تجرّد من كل شيء، اغدقت عليه التبرعات من كل صوب، فحوّلها كلها الى الكنيسة، الى المدارس والمؤسسات، والى جامعة البلمند. اتى منفياً الى دير سيدة البلمند حين كان الدير مهجوراً ومرتعاً للماعز. فحوّل هذا الموقع الى واحة إشعاع، ان على صعيد الحضور الكنسي من خلال معهد القديس يوحنا الدمشقي، او على صعيد التعليم بتأسيس جامعة البلمند. وبرعايته اصبحت هذه الجامعة، في عقدين من الزمن، من اولى الجامعات في لبنان. وكان يحلو له ان يعتبرها لؤلؤة غالية في تاج
الارثوذكسية.
كان إغناطيوس تلميذ لاهوت، وتلميذ رياضيات، وتلميذ فلسفة. لكن الصفة التي يتسم بها اولاً واخيراً، هي انه الانسان المتواضع المنكسر امام ربه، والعميق في فكره، والمتجلي بايمانه. كان إغناطيوس، على طريقته، عاشقاً الهياً بسبب إدراكه للبعد التجسدي الذي تقوم عليه المحبة الالهية. فحوّل هذه الرؤية الى عشق للانسان ناذراً نفسه لخدمة هذا الاخير ليرشده الى طريق الخلاص، الى طريق الحق.
قفز إغناطيوس فوق الحواجز، وفوق الماضي، ليعيش في الحاضر وفي المستقبل، ليعيش بقوة العقل ورجاء الايمان، الماضي، بالنسبة اليه يحتوي الكثير من الجثث، قد نتعلم منه الكثير، ولكن لا يجوز الرجوع اليه للبقاء عنده. اما الحياة، بالنسبة اليه، فهي مسيرة الى الامام. صحيح ان المسيح ولد منذ الفي سنة، ولكن المسيح معنا، المسيح امامنا. صحيح ان هنالك قمماً في الماضي، وان هنالك قديسين بين الآباء، ولكن نحن ايضاً نملك قمماً وعندنا قديسون. ستبقى معنا هذه القمم، كما سيبقى معنا قديسون. "نحن مستقبليون" يقول إغناطيوس، نحن نعيش فرح التجسّد والقيامة، ونفعل في التاريخ من هذا المنطلق.
امضيت الايام الاخيرة مع غبطته، في المقر البطريركي في البلمند وهو يتعافى من وعكته الصحية. مساء الاحد، في الثاني من كانون الأول 2012، قال لي "الآن استعدت صحتي كاملة، وغداً سأرجع الى البطريركية في دمشق".
جئت اليه يوم الاثنين لأودعه، فإذا بي اتفاجأ بأنه، وعلى اثر تعرضه لحادث بسيط، آثر ان يعود الى ربه الذي كرّس في خدمته سبعين سنة من عمره.
سيبقى إغناطيوس الرابع حياً في ذاكرتنا، حياً في المثل. خسرت الارثوذكسية بطريركاً، ولكنها ربحت إرثاً دينياً واخلاقياً وحضارياً لا يفنى، وخبرة جيل عايشه وتبارك برعايته.
لقد رحل إغناطيوس الرابع، "ثالث عشر الرسل الاطهار"، على رجاء القيامة تاركاً لنا غنى معرفتنا به وجمال ذكراه.
تغمده الله برحمته