بزمن الميلاد نكتب شهادة في شهيد. نحن نقول إننا شعب يحب الحياة. يُقبل عليها. بنهم ما بعده نهم يقبل على النسيان. ربما هو التمسّك بايمان القيامة والرجاء بالمسيح. لم يُصلب بعد صحيح فنحن في انتظار مولده. نحن نُصلب. يومياً من دون استراحة. يومياً نحمل نثرة من صليبه، نثرة تصوروا هذا الشرف، نضعها أحمالاً فوق أوجاعنا ونعبر الى الامل. هذه مقاومة. هكذا ومذ بدأنا نحمل السلاح للدفاع عن الارض، الى أن تخلّينا عنه طوعا وحملنا الزيتون، أيضا دفاعا عن الارض، ونحن نحمل نثرات الصليب، وأحيانا يكرّمنا المسيح بحمل صليب كامل الاوصاف كصليبه ليختبر ايماننا، ونكمل الدرب.
جبران التويني، نثرة من الصليب، شعاع من مجدّ القيامة بالمسيح، غمرة حنان من ميلاد يسوع. قبل الميلاد بأيام، حمّلنا الطفل الالهي صليب الالم لاستشهاد جبران. 12122005 صبحية دموية تناثر جسد جبران لتصيب كل قطعة منه كل قطعة فينا. تناثر جسده فأصبنا نحن. هو رحل لكن بقي عالقا في جلدنا، لم تُزل المياه الساخنة ولا الصابون المعطّر ولا مساحيق العالم، الاثار من المكان، ومن الاجساد الحيّة التي تحمل الذكرى، وكأنها نعش الايام التي تنتظر ساعة الحقيقة لتعلن مراسم الدفن الحقيقية. حقيقة اعلان أسماء القتلة والمتورطين بالفعل وبالنوايا. نحن نعرفهم، بالاسماء نعرفهم ندل اليهم بالاصابع والعيون والادانة، نحن أعلنّا عليهم حكم الاعدام لكن لم ننفذ الحكم بعد، ولن نفعل كي لا نصبح مثلهم نعيش في شريعة الغاب، بالنسبة الينا هم أموات يتنقلون، يمشون، يسرحون في الارض وجوها من دون ملامح، وجوه ملطّخة بالدماء، ينقص فقط ساعة نقفل عليهم باب القبر باسم العدالة والقانون، وليس بغير العدالة. كلام في منتهى القسوة. قسوة على قدر الالم وان كانت ليست بحجم الغضب.
هل تظن جبران ان غضبنا استكان بعد سبعة أعوام على الغياب؟ أظن أنك لا تظن، لانك تعرف ما يجول في أفكار مناضلين أبدا في سبيل الحرية والعدالة، لانك تسكن أفكارنا وسكنّا ذات عمر أفكارك، لذلك تعرف اننا ما زلنا في الغضب، الغضب الذي يجيّش فينا الكثير من الرفض الذي يصل أحيانا للتمرّد على مشيئة الخالق ومساءلته "لماذا قبلت بأن يأخذوا جبران وأشباه جبران، ليسكروا هم من كأس الموت والانتقام، ونغرق نحن في غيبوبة الالم؟".
هي لحظات ضعف عابرة عندما تشتد وطأة الذكرى، والان هي الذكرى. الغريب أن ومع كل شهيد جديد يضاف اسمه الى لوائحنا، تتراءى لنا بقوة، أشعر وكأنك تمشي في الجنازة خلف النعش وأنت تحمل قلمك وتتلو علينا ذاك القسم الشهير. لم أفهم هذا الشعور حتى الساعة، لكن لعله الصوت المدوّي فينا، صوتك الذي عجز القاتل عن اسكاته، فتفجّر في وعينا ولاوعينا. أنقول هذا انتصار؟ نقول هذه تعزية، رحيلك ليس انتصارا على الاطلاق ولن يكون يوما كذلك، استشهادك رسالة من مجرم الينا كي لا نحذو حذوك، استمرارنا على الدرب اياه رسالة منا لمجرم، ان أشلاء جبران لم تذهب في الهباء ما زالت عالقة كالروح في أجسادنا. لم تختتم بك قافلة الشهداء لاننا نفعل ما فعلت وما أردت أن تفعله انت لو بقيت بيننا. هذا انتصار، انتصار الحياة على الموت، الكرامة على الذل.
كل المعاني الحلوة الرائعة تقال في استشهادك، لكن، لكن وعندما أمر في ذاك المكان عند مار متر في الاشرفية، لا أرى المقابر هناك وحسب، أراك انت، يا الله، أراك وقد غُيبت بين الاموات، منذ سبعة أعوام وعلى مدار الايام أراك وأهز برأسي يتآكلني الزعل عليك، أراك وأسأل ونسأل كلنا، أين الصوت المدوّي، والقامة الحلوة، واليد الممدودة التي تتلو القسم، وأين اليد التي امتدت اليك وقتلت ضوءا من حلم؟؟
