الأربعاء بعد أحد مولد يوحنّا المعمدان
قراءَةٌ منَ القدِّيسِ بطرس داميان (+1072) جاءَ الخبزُ الحيُّ إِلى العالمِ بواسطةِ العذراء
ولدتْ مريمُ العذراءُ يسوعَ المسيح، وأَدفأَتْهُ بينَ ذراعَيِها، وقمَّطتْهُ بلفائف، وأَحاطتْهُ بٱلعنايةِ الوالديَّة. هٰذا هو يسوعُ الَّذي نقتبلُ جسدَهُ، الَّذي نشربُ دمَهُ الخلاصيَّ من سرِّ المذبحْ. هٰذا ما يؤَكِّدُهُ الإِيمانُ الكاثوليكيُّ وهٰذا ما تعلِّمُهُ الكنيسةُ بأَمانة.
ما منْ لسانٍ بشريٍّ يستطيعُ أَن يُمجِّدَ منِ ٱتَّخذَ منها جسدًا، ونحنُ نعرفُ ذٰلكَ، إِنَّهُ الوسيطُ بينَ اللهِ والبشَر. وما من مديحٍ بشريٍّ بمستَوى منْ أَعطتْ أَحشاؤُها الطَّاهرَةُ الثَّمرَةَ، غذاءَ نفوسنا. يشهدُ يسوعُ عن نفسهِ بهٰذِهِ الكلمات: "أَنا هو الخبزُ الحَيُّ الَّذي نزلَ من السمَّاء، منْ يأْكلْ من هٰذا الخبزِ يحيَ إِلى الأَبد". في الحقيقةِ نحنُ طُرِدْنا من جنَّةِ عدنٍ بسببِ طعام، وبطعامٍ نستعيدُ أَفراحَ الجَنَّة. إِتَّخذتْ حوَّاءُ طعامًا، فحُكِمَ علينا نحنُ بصومٍ أَبديّ. ومريمُ أَعطتْ طعامًا، فٱلدُّخولُ إِلى وليمةِ السَّماء مفتوحٌ أَمامنا. أَرجوكم، يا إِخوتي، خُذوا بعينِ اﮕعتبار مُخطَّطَ خلاصِنا، وبآذانِ قلبِكُمُ ٱسمعوا حنانَ اللهِ، الَّذي ٱنحنَى علينا…
العذراءُ وحدَها حملتِ المسيحَ في أَحشائِها، ولٰكنَّ النَّصيبَ الشَّاملَ لكلِّ المختارينَ هو أَن يحملَهُ كلٌّ منهُم بحبٍّ في قلبهِ. إِنَّها سعيدة، سعيدةٌ جدًّا المرأَةُ الَّتي حملَتْ يسوعَ في أَحشائِها تسعةَ أَشهُر. ونحنُ أَيضًا سعداءَ عندما نَسهَرُ على حَمْلِهِ دونَ ٱنقطاعٍ في قلبِنا. إَنَّ الحبلَ بٱلمسيحِ في أَحشاءِ مريم، هو بلا شكٍّ أُعجوبةٌ عظيمة. ولٰكن لا تقلُّ عنها أُعجوبَةُ حلولِهِ ضيفًا في قلوبِنا. هٰذا ما تعنيهِ شهادةُ يوحنَّا: "ها أَنذا واقفٌ على البابِ أَقرعْ. فإِنْ سمعَ أَحدٌ صوتي وفتحَ البابَ أَدخُلُ إِليه وأَتعشَّى معَهُ وهو معي". وهنا، يا إِخوتي، لنعتبرْ مقدارَ عظمتِنَا وتشبُّهِنا بٱلعذراء: حبلتِ العذراءُ بٱلمسيحِ في أَحشائِها البشريَّة، ونحنُ نحملُهُ في قلوبِنا. غذَّتْ مريمُ المسيحَ بحليبِ ثديَيْهَا ونحنُ نستطيعُ أَن نُقدِّمَ لهُ وليمةً متنوِّعة، من أَعمالنا الصَّالحة، يجدُ فيها مسرَّتَهُ.
الرّسالة: روم 9: 14-18
ٱختيار إسرائيل وخطيئته
14 إذًا فماذا نقول؟ أيكونُ عندَ الله ظلمٌ؟ حاشا!
15 لأنّه يقولُ لموسى: "أرحمُ من أرحم، وأتحنَّنُ على من أتحنَّن!".
16 إذًا فٱلأمرُ لا يتعلّقُ بٱلإنسانِ الّذي يريد، ولا بٱلإنسانِ الّذي يسعى، بل بٱللهِ الّذي يرحم،
17 لأنّ الله يقولُ في الكتابِ لفرعون: "إنّي لهٰذا أقمتكَ، لكي أُظهرَ فيكَ قوّتي، ولكي يُنادى بٱسمي في الأرضِ كلّها".
18 إذًا فهو يرحمُ من يشاء، ويُقسّي قلبَ من يشاء.
شرح آيات الرّسالة:
14 تث 32/4؛ مز 36/7؛ 89/15.
15 خر 33/19.
هٰذا جواب أوّل على السّؤال المطروح في (9/14). أمّا الجواب الكامل ففي (9/20). يجعل بولس موسى وفرعون، بعد عيسو ويعقوب، مثلًا على حرّيّة الله المطلقة في اختيار. ليس الحديث هنا على الخلاص الأبديّ للأشخاص فرديًّا، بل على دورهم ومقامهم الخاصّ في تاريخ شعب الله إسرائيل، وفي تاريخ الخلاص الشّامل.
16 أف 2/4-8؛ روم 11/31؛ 15/9؛ طي 3/5؛ مز 147/10.
عمل الله الخلاصيّ، وتدخّله في تاريخ البشر، بادرة مجّانيّة حرّة، لا تتعلّق بإرادة إنسان، ولا بسعيه أو ٱستحقاقه. ٱستخلص شُرَّاح من هٰذه النّصوص (روم 8/28-30؛ 11/6-24) نظريّة "اختيار والرَّذل"، أي أنّ الله، بفعل إرادته السّابقة لإرادة الإنسان، يختار الأبرار إلى المجد، والأشرار إلى الهلاك الأبديّ. لٰكنّ كلام بولس هنا لا يُطَبَّق على مصير الإنسان الفرد، بل على دعوة الله المجّانيّة للأمم إلى اﮕشتراك في نعمة المسيح، بعد تصلّب اليهود في إنكارهم للمسيح يسوع. أمّا تقديس الفرد وخلاصه الشّخصيّ فيُطلّب بٱلعكس جهدًا كبيرًا، وسعيًا حثيثًا مستمرًّا (روم 6/13-19؛ 12/11؛ 1 قور 9/24-27؛ فل 3/12-14).
17 خر 9/16.
19 خر 4/21؛ 7/3؛ 9/12؛ 14/4، 17.
ويُقسّي قلب من يشاء: لا يقصد بولس هنا الحكم على فرعون بٱلهلاك الأبديّ، ولا ٱتّهام الله بأنّه قسّى قلب فرعون لكي يهلكه. يقصد بولس أنّ فرعون المضطهِد لشعب الله، بإصراره وقساوة قلبه، أسهم، وهو لا يدري، في تحقيق تصميم الله الخلاصيّ. يكتب الله مستقيمًا على خطوط معوجَّة.
الإنجيل
متّى 17: 9-13
9 وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم يسوع قائلًا: " لا تُخبروا أحدًا بهٰذه الرّؤيا إلى أن يكون ٱبنُ الإنسان قد قام من بين الأموات".
المعمدان هو إيليّا
10 فسأله التّلاميذ قائلين: "إذًا لماذا يقول الكتبة إنّه لا بُدَّ أن يأتي إيليّا أوّلًا؟".
11 فأجاب وقال: "أجل، إنّ إيليّا آتٍ، وسيُصلح كلّ شيء.
12 وأقول لكم: إنَّ إيليّا قد أتى، ولم يعرفوه، بل فعلوا به كلَّ ما شاؤوا. وكذٰلك ٱبنُ الإنسان مُزمعٌ أن يتألَّم على أيديهم".
13 حينئذٍ فَهِمَ التّلاميذ أنّهُ حدَّثهم عن يوحنّا المعمدان.
شرح آيات الإنجيل:
9 متّى 16/20؛ مر 1/34.
لا تخبروا أحدًا: من المألوف، في الفنّ الرؤيويّ، كتمان ما أوحى به الله (دا 12/4-9). وتبع الإنجيليّون هٰذا التّقليد (متّى 8/4؛ 9/30؛ 12/16؛ 16/20)، تبعه مرقس خاصّة محتفظًا في إنجيله "بٱلسّرّ المسيحانيّ" (1/34، 44؛ 8/30).
10-11 ملا 3/23-24؛ متّى 11/14؛ سي 48/10؛ لو 1/17.
إيليّا أوّلًا: ٱسنتد علماء التّوراة إلى ملاخي 3/23، فعلّموا أنّ إيليّا سيعود، ويسبق المسيح الآتي ليُعدّ الشّعب للإيمان به. وتعجّب التّلاميذ، إذ رأوا إيليّا على جبل التّجلّي، دون أن يقوم بدوره، على ما قال ملاخي، فقال يسوع لهم: أنّ المعمدان قام بدور إِيليّا (17/12-13)، ولٰكنّ الشّعب رفضه: مصير واحد ينتظر يسوع وسابقه. كان على الكتبة أن يعُوا ذٰلك، ولٰكنّهم لم يفعلوا، ولذٰلك لا عذر لهم.
12 متّى 11/14.
14 متّى 11/10-14؛ لو 1/17.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (زمن الميلاد المجيد جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1977).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.