
أستاذ جبران…
اشتقت أن أناديك، ولطالما اعتدت أن أفعل ذلك دائما. فأنا كنت وما زلت أفخر أنني ابن مدرسة "النهار" الصحافية، وترعرعت فيها، من "نهار الشباب" الى جانبك في الأشرفية مرورا بمبنى "النهار" في شارع الحمرا وصولا الى الانتقال الى المبنى الجديد الذي كنت تعشقه في ساحة الشهداء… ساحة الحرية.
عندما انطلقت حملة "أحب الحياة" أحسست أن هذه الحملة تحديداً تليق بك لكثرة ما كنت تحبّ الحياة ولكثرة ما كانت الحياة تحبّك وتليق بك… وعندما استشهدتَ بكيتُ لكنني لم أستغرب لأنك رحلتَ بطلاً تماما كما عشتَ!
لكنني لا أخفي أنني عاتب كثيراً عليك في هذه الأيام، وخصوصا حين أشعر أنك برحيلك القسري تركت الساحة خاوية لبعض الأزلام المستزلمين الذين شاركوا في جريمة اغتيالك، عن قصد أم غير قصد وعن وعي أم من دون وعي. استدرجوك عندما حاولوا المسّ بشهامتك، وشاركوا في لعبة قذرة لتسهيل المهمة على المجرمين!
هؤلاء أنفسهم يحاضرون اليوم بالوطنية والعفة والطهارة ومصلحة المسيحيين!
جبران كيف أسامحك بعدما أخليت الساحة لأشباه الرجال ممن أعلنوا تكرارا أنهم مستعدون أن يضحوا بأبنائهم على مذبح آل الأسد؟!
هل تذكر المعارك الصحافية التي خضناها سوياً؟ هل تذكر المعركة ضد التمديد لإميل لحود مثلاً؟ هل تذكر لائحة الشرف؟ ماذا نفعل اليوم بجميع الذين هم فعليا بلا شرف؟ أي لائحة نضعهم فيها؟
ليس لائقا اليوم أن أكشف كل ما كنت تقوله عن هؤلاء… لكنك كنت محقاً بطبيعة الحال!
أذكر كيف بشّرتني فرحاً والابتسامة العريضة على شفتيك بعد إقرار قانون العفو، وبعدما كنتَ سبقته بزيارة الى الدكتور سمير جعجع في معتقله في وزارة الدفاع. قلت لي: "صاحبك طالع… خلص! نحنا غلطنا كتير بحق سمير، ورح يطلع يكفي المسيرة معنا".
وهل أنسى مساء ذلك الثلثاء حين استدعيتني الى مكتبك لتطلب مني أن أقصد الأرز وأكون قرب "الحكيم" لأغطي ما يجري في كواليس الاستقبالات التي يجريها جعجع للوفود التي تقصده من المناطق للاطمئنان عليه بعد خروجه من المعتقل! قلت لي: "وحدك طوني يمكنك أن تكون الأقرب الى "الحكيم" ويجب أن نساعده بقدر ما نستطيع لأنه كان في المعتقل عنا جميعاً"!
لكن المؤلم يا استاذ جبران أنك استشهدت عنّا جميعاً…
استشهدت لأنك لبناني الهوى والهوية ولا تقبل بأي انتماء آخر…
استشهدت لأنك كنت في قلب "ثورة الأرز" وأحد أبرز أعلامها…
استشهدت لأنك كنت الصوت الصارخ في بريّة المستزلمين والأتباع والأبواق التابعة لحسن نصرالله وبشار الأسد وغابات الخارجين على الدولة والشرعية والقوانين اللبنانية.
ولكل ذلك، ولأننا نقدّس دماء شهدائنا، نعاهدك بألا يذهب استشهادك هباء، وبأننا لن نستكين قبل أن نصل الى لبنان الذي حلمتَ ونحلم به، وقبل أن ينال المجرمون عقابهم مهما طال الزمن، وهو بالطبع لن يطول 300 سنة!