كتب حسين زلغوط في صحيفة "اللواء":
بغض النظر عن قرار نواب «14 آذار» مقاطعة أي عمل سياسي فيه حضور حكومي، والذي انسحب على عدم المشاركة في أي عمل تشريعي في البرلمان، فان الواقع السياسي في لبنان يمر بأحلك ظروفه، حيث لا تؤشر المعطيات على تنوعها إلى أي بوادر حل للأزمة الراهنة، لا بل إن السلوك السياسي الحاصل على كافة الجبهات والذي يترافق مع خضات أمنية هنا وهناك يوحي بأن البلاد تتجه إلى مزيد من الأزمات المعقدة التي باتت تحتاج إلى أكثر من طاولة حوار للعمل على تفكيك رموزها التي أصبحت عصية حتى على الذين يتقنون السحر والشعوذة.
ومن البديهي القول بأن ما نحن فيه على المستويات السياسية والمعيشية والأمنية لا يبعث على الارتياح ويؤشر إلى ان البلاد في حال استمر الوضع على هذا المنوال تتجه إلى الدخول في مدار من الفوضى والإرباك بما يؤدي إلى فلتان الشارع من عقاله خصوصاً وأن محطات كثيرة حصلت عكست مناخات من هذا النوع ودلت على أن هناك قابلية مفرطة لدى الشارع للتماهي مع الكباش السياسي الحاصل وتحويل ذلك إلى مواجهات.
ولعل ما حصل في منطقة الشمال في الأيام الماضية لأصدق تعبير على أن الشارع لم يعد محكوماً بأية ضوابط، وبأن مشكلاً فردياً في أي حيّ من شأنه أن يؤدي إلى اندلاع مواجهات ورفع المتاريس بين المناطق وازهاق الأرواح، كل ذلك بفعل تقدم الخطاب المذهبي والطائفي والتحريضي من مختلف الجهات على الخطاب العقلاني والحوار.
وفي هذا الصدد، تلفت مصادر سياسية مطلعة إلى أن ما هو حاصل في لبنان مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمجريات الأحداث حولنا، كون أن لبنان ليس معزولاً عن محيطه، وهو ليس في جزيرة، بل إنه من أكثر البلدان تأثراً بالمناخات السياسية والأمنية للدول المجاورة، فعلى سبيل المثال لا يمكن الفصل بين الأحداث الأمنية في سوريا وما يجري في بعض مناطق الشمال، كما انه لا يمكن فصل التوتر السياسي الموجود حالياً في ما بين بعض الدول الاقليمية عن حالة اللااستقرار السياسي التي نعيشها في لبنان، وهو ما يعني انه من السذاجة مجرّد التفكير بأنه من الممكن معالجة الملفات الداخلية في حين أن المنطقة تتقلب على صفيح ساخن.
وتنطلق المصادر من رسم هذه الصورة لتؤكد بأن الأزمة السياسية في لبنان سيكون عمرها مديداً إلى حين الوصول إلى تسوية ما تخرج الوضع في الشرق الأوسط من حالة التخبط الذي هو فيه، وبالتالي فانه من المستحيل حسم الخلافات الراهنة والوصول إلى حلول للملفات العالقة، ما دامت المنطقة على فوهة البركان.
وتذهب المصادر إلى الاعتقاد بأن فسحة الأمل التي كانت موجودة حول إمكانية إنتاج قانون للانتخابات بدأت تضيق، وأن الحكومة بدأت تتعامل مع الواقع الانتخابي على أساس القانون الحالي تماشياً مع ما تفرضه الثوابت والأعراف حول المهل الدستورية لدعوة الناخب وإعداد اللوائح الانتخابية.
وإذا كانت هذه المصادر ترى انه في حال عاد فريق 14 آذار عن المقاطعة واجتمعت اللجان المشتركة فانه لن يكون في مقدور القوى السياسية إنتاج قانون جديد للانتخابات، كون ان أي استحقاق من هذا النوع يحتاج إلى تفاهم سياسي وهذا الشرط يبدو في الوقت الراهن من سابع المستحيلات إذا نظرنا إلى الانقسام الذي على ما يبدو قد استوطن الساحة السياسية وبدأ يتدحرج بقوة باتجاه الشارع.
وفي رأي المصادر أن لبنان لن تقوم له قيامة ما لم يعزل نفسه عن تطورات الخارج ووضع مسألة الاستقرار الداخلي في صلب الأولويات قبل أي شيء آخر، لأن استمرار اتباع قاعدة الرهانات على التطورات خلف الحدود لكي يُبنى على الشيء مقتضاه، سيُبقي لبنان في الدوامة والحلقة المفرغة، وفي نهاية المطاف فاننا لن نحصد الا الويلات والمشاكل، حيث انه من المعروف عند التسويات الدولية تذهب الدول الصغيرة «فرق عملة» على حد ما يقول المثل الشائع، ولبنان هو من بين الدول التي تتأثر بالخارج ولا تؤثر فيه، وانطلاقاً من هذه المسلمة يجب إقفال النوافذ الخارجية والانصراف الى ترتيب البيت الداخلي قبل أن تلفحنا رياح التطورات المتسارعة في المنطقة وتقضي على كل ما حقق من انجازات على كافة المستويات.
وفي رأي المصادر، أن كل عوامل التصادم الداخلي موجودة ويُعبر عنها بالسلوكيات اليومية لكافة السياسيين، غير أن ما يمنع الانفجار الداخلي هو عدم وجود قرار إقليمي أو دولي في ذلك، وهذا ليس حباً بابقاء لبنان مستقراً بل لأن الدول الكبرى لديها الآن أولويات، ولبنان بالتأكيد ليس من اولوياتها، بل إنه يستخدم جسر عبور أو صندوق بريد لتبادل الرسائل الخارجية والتي غالباً ما تكون رسائل مفخخة لا يتأثر بانفجارها إلا لبنان.