#adsense

«جبل محسن»

حجم الخط

لم تهتز طرابلس أمنياً إلّا على وقع اندلاع الثورة السورية، ويستحيل أن يستتب الوضع الأمني داخلها إلّا بعد أن تحسم الثورة الوضع على النظام. فالترابط بين الوضعين غير قابل للفصل إلّا في حال انهيار البعث أو تدجين طرابلس، هذه المحاولة التي باءت بالفشل واستعيض عنها بابتزاز متواصل للمدينة وأهلها.

لا شك في أنّ للجغرافيا دورا أساسيا في الأزمة الطرابلسية نظراً للحدود المشتركة، فضلاً عن التماس بين البيئتين السنية والعلوية، زائد الدينامية التي يتمتع بها أهل طرابلس تأييداً للثورة السورية. فالاشتباك بين جبل محسن وباب التبانة يقابله مثلاً توتر في صيدا بين مناصري الشيخ أحمد الأسير و"حزب الله"، غير أن سقف هذه التوترات أو الاشتباكات ما زال محدودا ومضبوطا على رغم المحاولات السورية تفجير الأوضاع اللبنانية من البوابة الطرابلسية.

فالأمين العام للحزب العربي الديموقراطي علي عيد يشكل جزءاً لا يتجزأ من المنظومة السورية على غرار "حزب الله" الذي يشكل جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الإيرانية، وإذا كان من غير الجائز وضع كل الشيعة في خانة الحزب، فإنه من غير الجائز أيضا وضع كل العلويين في خانة النظام السوري وأدواته في لبنان، هذا النظام الذي أثبتت الوقائع أنه مصرّ على التفجير والاستفزاز ورفع منسوب التوتر المذهبي وصولاً إلى دفع الإسلاميين لارتكاب مجزرة في "الجبل" تبريراً لمجازره في سوريا وتسليطاً للضوء على خطورة الواقع الإسلامي.

ومن يستعرض الوقائع منذ بداية الثورة والاتهامات التي طالت مرجعيات طرابلس بالتدخّل في الوضع السوري، مروراً بافتعال قضية شادي المولوي وحادثة الكويخات وتفجيرات ميشال سماحة التي كانت معدّة لهذه المنطقة، وصولاً إلى تجزئة تسليم جثث الإسلاميين لإبقاء النفوس مشحونة ومعبأة، والمعلومات الجدية والخطيرة عن محاولة اغتيال مفتي طرابلس والشمال مالك الشعار، يتبيّن له أن المخطط السوري يرمي إلى إلى إشعال الفتنة المذهبية، واستطراداً تفجير الوضع في لبنان.

فهل كان أحد ليتصوّر طبيعة ردّة الفعل لو نجح النظام السوري في اغتيال المفتي الشعار؟ وهل كان أحد في وارد التجاوب مع الدعوات "السخيفة للتعقل والتعالي عن الجراح ودرء الفتنة والتحلّي بالصبر وعدم الانزلاق إلى المخطط المرسوم من قبل هذا النظام"، خصوصاً أن خطورة هذا الاغتيال، لو حصل لا سمح الله، تكمن في أنه يأتي بعد اغتيال الشهيد وسام الحسن وما أحدثه من استنفار مذهبي وشعور وطني عام، بمعزل عن صوابيته أو صحته، بأنّ الاستمرار بقواعد اللعبة المتبعة منذ العام 2005 سيقود حتماً إلى اغتيال كل القادة وتجديد الوصاية على لبنان؟

ومن الواضح، انطلاقاً مما تقدم، أن النظام السوري وأمام استحالة تفجير الوضع بين السنة والشيعة يسعى لتفجيره بين السنة والعلويين، وهذا ما يفسر الاستهداف المتواصل لطرابلس. ومن هنا تبرز أهمية انتشار الجيش بشكل فعلي وتوفير الغطاء السياسي له لعدم الانسحاب مع تجدد الاشتباكات في كل مرة، خصوصا أن خطورة الانتكاسة هذه المرة لن تكون كما سبقها، في ظل النفوس المشحونة وتبدّل المعطيات السورية وشعور النظام بأن الوقت بدأ يداهمه.

واللافت أن رفعت عيد راح يردد مؤخرا بأنه لن يرضى "الّا بسلّة شروط كاملة للطائفة العلوية، ونحن نريد ان نشارك في كلّ مفاصل الدولة، وأن يكون لنا وزير ونائب وسفير وحتى مقعد في هيئة إدارة النفط". ولكن، من يبحث عن ضمانات داخل الدولة لمرحلة ما بعد سقوط النظام، عليه أن يدرك أن ضمانته الأساسية تكمن في التواصل مع أبناء بلده وشعبه ومنطقته، وعدم إشعارهم بأنه جسم غريب داخل الدولة والوطن، فضلاً عن أن مَن يُبقي جبل محسن بؤرة أمنية يستخدمها النظام السوري لافتعال حرب أهلية هو أبعد ما يكون عن المطالبة بضمانات لا يمكن توفيرها قبل أن يعود من سوريا إلى لبنان، ويعترف فعلاً لا قولاً بالدولة اللبنانية لا بالنظام السوري.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل