وجبران الثاني أيضاً أسمر الوجه، حالك الشعر المردود إلى الوراء، عريض الجبين، وشاربه يُسطّر نظرة عينيه الثاقبتين والعميقتين. وقد يكون جبران غسان تويني لا يملك قلماً أثيريّاً كالذي كان يملكه ملك الكلمات الأثيريّة، لكنّه مثله كان يملك قلماً ثائراً، يبحث عن عدل في صراع الظلمة والنّور؛ راكضاً أبداً وراء الثورة، يهدّ بقلمه الحر القلاع العصيّة على التقدّم، ويُحرّر الأفكار المقيّدة بالإقطاعيّة والرّجعيّة السياسيّة، رافضاً التسلّط والاستبداد باسم الوصاية، أخويّة كانت أم إلهيّة… فتحوّل باستشهاده رمزاً للأب الذي يُقدّم حياته لتحقيق الحريّة للأبناء. لذلك بكت الأصابع دماً من كثرة ما كتبت على الأوراق، عن شهيد مسيرة الشعوب اللامتناهية نحو الحريّة والتحرّر.
"جبرانان" من لبنان آخر… لبنانهم، البعيد من لبناننا… لا ثالث لهما إلا جبران الذي يُشبهني أنا ويُشبه اللبنانيّين كافةً. إنه "جبران جبر" الذي يعيش في عبرة طريفة ومعبِّرة. هو الذي دخل مرّة مقبرة، وراح يتنقّل في أرجائها ويقرأ ما عليها: "فلان عاش 10 أيّام". "فلان الفلاني عاش 8 أشهر". "فلان آخر عاش شهراً و5 أيّام". إستغرب أخونا الأمر، فتوجّه نحو حفّار القبور وسأله:" هل هذه المدافن للأطفال؟". أجاب الحفّار: "لا، فبين المدفونين هنا من عمّر ومات بعد سنين طويلة". وسأل: "لماذا إذاً محفور على قبورهم أنهم عاشوا لأشهر أو لأيّام؟". أجاب الحفّار "لأننا نذكر فقط الأوقات القصيرة التي عاشوها وهم سعداء". ضحك جبران الثالث طويلاً، قبل أن يقول:" أحفر لي إذاً شاهد قبري منذ الآن "جبران جبر… من بطن إمّو للقبر!".
ونحن بعد جبران خليل وجبران الخليل، لا نزال نبحث عن يوم سعيد واحد في هذا الوطن المستحيل، ضائعين بين القلمين والإزميل!
