#dfp #adsense

والدي… والرحلة الأخيرة

حجم الخط

في كل سنة، منذ سبع سنوات، أكتب عنك في هذه الذكرى الأليمة. لكني هذه السنة في وضع مختلف، لأنني لا أكتب عن جبران الصحافي أو السياسي أو الوالد. اسمك وحده بات يختصر كل ما يمكن ان يقال او يكتب عنك. فعندما تقول جبران تويني تقول الحرية، تقول النضال، تقول الحلم، تقول الثورة… تقول كل هذا، فهل ثمّة موجب لمزيد من الشرح؟

سأروي اليوم تجربة عشتها، وكنت معي في كل دقائقها وتفاصيلها ومسارها.

كنت عائدة من باريس نهار الأحد الماضي، وتذكرت عودتك قبل 7 سنوات، في الفترة نفسها، وكانت رحلتك الأخيرة.
فكّرت في ما قد يكون راود ذهنك خلال الرحلة، ورحت أسأل نفسي عما عساك كنت تفكر وأنت تسلك طريق العودة. هل كنت تعلم او تشعر أنها رحلتك الأخيرة؟

قبل ان أتوجّه الى بيروت ذهبت أزور كنيسة السيدة العذراء (الأيقونة العجائبية) كما كنت أنت تفعل دائماً، وكما فعلت قبل عودتك لتواجه آلة القتل. هناك، تذكّرت كيف وضعتُ لك في سيارتك الأيقونة العجائبية للسيدة العذراء. وتذكّرت ان كل ما أعادوه الينا بعد الانفجار كان تلك الأيقونة التي كنت أحببت أكثر من كل شيء آخر، واحتفظت بها.

صلّيت لك هناك قبل عودتي الى لبنانك الذي أحببته أكثر من نفسك. وقد دفعت حياتك ثمناً لحريته وكرامة أبنائه.

أربع ساعات على متن الطائرة، وأنا أفكر فيك وفي رحلتك الأخيرة، وعندما وصلنا تساءلت: من ذا الذي أكد مجيئك؟ من أكد نبأ وصولك، ولمن أخبر كي تمتد فوراً اليك يد الغدر والاجرام والهمجية، بسيارة مفخخة هديّة العودة؟

كنت أمضي في حرم المطار أتساءل من أمكنه ان يفعل هذا؟ وعقل من هذا الذي خطّط فراقب تحرّكاتك بعقل اجرامي بارد ليرتكب جريمته ضدّ من لم يكن يجرؤ على إيذاء نملة؟ وأحسست بمرارة أن يشعر المرء بغربة في مطار وطنه، وأن يكون متوجّساً فيه.

صعب يا أبي، أن يصبح الانسان فريسة الشكّ والأسئلة الكبيرة والتساؤلات التي لا أجوبة لها. هذه السنة مختلفة، لأنني عشت تجربة ساعاتك الأخيرة. وقد راودتني أسئلة وتساؤلات لم تكن لتغيب عنك، لكن رغم عمق هذه الجروح، أتمنى أن يأتي يوم ويشعّ نور حرّيتك عدلاً يكشف الحقيقة وتكون القيامة الحقيقية لأحلامك ولوطنك الحبيب ولمواطنيك مسيحيين ومسلمين…

لم تمنحني الحياة فرصة لأعيش في ظلّك وقتاً طويلاً إذ اختطفتك يد الغدر باكراً جداً، لكنك علّمتني وغرست فيَّ ما يكفي من القيم والكرامة والعنفوان، وقلّة هم الأساتذة الكبار القادرون على تلقين شعوبهم وأبنائهم دروساً في منظومة هذه القيّم.

محفورة صورتك في قلوبنا وفي وجداننا… فاسهر علينا والدي أنت وجدي غسان.

المصدر:
النهار

خبر عاجل