كتب عامر مشموشي في "اللواء":
لليوم الثالث على التوالي شهدت محاور القتال بين بعل محسن وباب التبانة هدوءاً حذراً، بعدما نفّذت قوات من الجيش اللبناني إنتشارها في المنطقتين، وأقامت حواجز ثابتة ودوريات مؤللة بحثاً عن المتهمين بإشعال النار، وبذلك يكون الجيش بفضل الاجراءات الأمنية التي اتخذها قد أعاد الهدوء إلى باب التبانة وجبل محسن من دون أن يعني ذلك أنه نجح في إطفاء نار الاشتباكات التي ما زالت تحت الرماد مهيّأة للاشتعال في أية لحظة من دون أن يكون للجيش القدرة العملية على إخمادها بشكل نهائي، ومنع تكرارها في أي وقت، لأن المشكلة في الأساس كما يقول مرجع أمني كبير سياسية، وعلاجها لا يتم باستخدام القوة من الجيش أو من أي جهة أمنية بل بالسياسة.
ويرى المرجع الأمني الكبير أن ما يجري في عاصمة الشمال هو صراع سنّي – سنّي أكثر منه صراع سنّي – علوي، فهناك من يريد أن يُسقط الحكومة في طرابلس بالأمن ويوظّف الاضطراب الأمني المتكرر هناك، للضغط على ميقاتي لإخراجه من السلطة، إضافة إلى أن التجاذب بين التيارين المستقبل والميقاتي على من يُمسك بالمدينة، أو بالأكثرية في الشارع السنّي الطرابلسي، أدّى الى حصول اشتباكات بين باب التبانة وجبل محسن، وتجدّد هذه الاشتباكات كلما وقع حادث في المنطقة أو كلما وجد هذا الطرف أو ذاك أنه في أزمة وعليه الخروج منها.
واعتبر المرجع الأمني الكبير أن الإسلاميين على تعدّد شعبهم السلفي والمتشدّد وغيرهما استفادوا من هذا الكباش لتوسيع مساحة انتشارهم في المدينة ولا سيما في المناطق الفقيرة كباب التبانة التي تمددت إلى العاصمة اللبنانية، بدلاً من أن تتمدّد هي بالخدمات والإنماء إليها وشكلوا حالة على الأرض لها حجمها ووزنها، وبإمكانها أن تخربط الوضع على الأرض ساعة تشاء في منطقتين حساستين هما باب التبانة وجبل محسن.
واعتبر المرجع الأمني الكبير أن الفريقين يشاركان عن دراية أو عن غير دراية في الإبقاء على التوتر الأمني بين جبل محسن وباب التبانة من خلال دعم القوى المستعدة للقتال على الأرض بالمال والسلاح، مشيراً إلى أن لدى الأجهزة الأمنية معلومات كاملة عن كيفية تزويد المقاتلين بالمال والسلاح من الجانب السياسي الذي يدّعي في العلن أنه ضد ما يحدث في هذه المنطقة، وأنه مع الاستقرار والأمن في المدينة وضد الفلتان الأمني، وعودة الاشتباكات بين المنطقتين.
ولاحظ المرجع الأمني الكبير في معرض تحليله للوضع في عاصمة الشمال أن البعض، ولا أقول الكل، يريد أن يستخدم الحالة الإسلامية التي توسعت في المدينة وتجذرت للضغط على خصومه في الانتخابات النيابية من دون أن يتنبّهوا أو يحذروا من أن السحر قد ينقلب على الساحر، حيث أنه عندما يصبحون هم في السلطة سيواجهون هذه الحالة التي كانوا من أبرز المسؤولين عن إيجادها.
وهناك من يريد أن يضع الجيش في مواجهة طائفة بعينها أو مدينة بعينها ذات خصوصية لا تخفى على أحد، ويجهدون في تحريضه على استخدام القوة في العاصمة الثانية لتحميل المؤسسة العسكرية أعباء فشل السياسيين وحتى الآن لم ينجحوا في ذلك لأن الجيش يعرف دقة الوضع وحراجته وهو يعرف أن دوره يكمن في حماية الناس من أن تقاتل بعضها بعضاً ولا يستطيع أن يحميهم من أنفسهم، معتبراً أن مدينة طرابلس وأهلها هما ضحية سياسييها الذين يتولون تسليح وتمويل وتحميس الشباب المسلم.
وعن احتمال تجدد الاشتباكات بين باب التبانة وجبل محسن بعدما أمسك الجيش بكل المفاصل في المنطقتين وسيّر دوريات راجلة وأقام حواجز ثابتة، اعتبر المرجع الأمني الكبير أن لا ضمانات أساسية أن لا تكون هناك جولات عنف جديدة في طرابلس إذا لم يتحمّل السياسيون مسؤولياتهم وما لم يعِ المواطن لواقعه وضرورة التمرّد على رغبات السياسيين ومخططاتهم وفي جميع الأحوال حصول وعي شعبي.
وأكد المرجع الأمني الكبير أن الجيش مهما بلغ حجم انتشاره لا يستطيع أن يضع خفيراً على كل باب وكل شخص في جبل محسن أو باب التبانة أو أي منطقة أخرى من المناطق الحسّاسة والتي تشهد مناوشات بين فترة وأخرى وهو ليس من واجبه أن يقوم بذلك لأن الجيش هو من هذا البلد، وإذا كان حافظ على انضباطه، فذلك مردّه إلى الحكمة التي تقود تحركاته من أجل ضبط الوضع الأمني، وإعادة الأمور إلى نصابها عندما يتصدّع هذا الوضع.
واعتبر المرجع الأمني الكبير أن أهم إنجاز حققته المؤسسة العسكرية حتى الآن هي أنها استطاعت حماية وحدة الجيش والحدّ بنسبة كبيرة من التأثير السياسي وتجاذباته عليه و"نحن لن نفرّط بهذه الانجازات لمصلحة الآخرين وهذا أهم إنجاز يجب أن لا يفرّض به أحد".
وفي مجال آخر تحدث المرجع الأمني الكبير عن الوجود السوري في لبنان وما يقوله بعض السياسيين عن وجود للجيش السوري الحر داخل الأراضي اللبنانية، يقول إن المعلومات المتوافرة تشير إلى أن وجود حوالى 300 ألف سوري في لبنان، بينهم 130 ألف مسجل وغالباً ما يجري استخدام بعض هؤلاء في أعمال إخلال بالأمن وتهريب السلاح وغيره من الأعمال المخالفة للقوانين اللبنانية، مع العلم أن هؤلاء يتمتعون بحماية من قبل بعض السياسيين، مستشهداً ببعض الأمثلة على تدخّل السياسيين في القضاء وإخراج موقوفين من السجون، داعياً إلى وجوب إصلاح القضاء الذي يضطر الى تصنيف المجرمين فيوقف بعضهم ويفرج عن البعض الآخر لأن سجن رومية على سبيل المثال لم يعد يتسع للمساجين والموقوفين بحيث أصبح عندنا مجرم فئة ألف ومجرم فئة باء.
وختم المرجع الأمني الكبير مذكّراً بأننا لسنا في نظام عسكري، علماً بأن الأنظمة العسكرية تتساقط من حولنا الواحدة تلو الأخرى، داعياً السياسيين والمجتمع المدني والإعلام والقضاء والمثقفين إلى تحمّل المسؤولية ولا يضعونها على المؤسسة العسكرية وحدها.