#dfp #adsense

«أنا ومِن بعدي الطوفان»

حجم الخط

لا يختلف اثنان أن المنطقة العربية مفتوحة على كل الاحتمالات، وأن سرعة التغيرات أكبر من أن تستوعبها المجتمعات التي تآكلت بنيتها وهيكليّتها بفعل الأداء التسلطي الذي أدته الأنظمة القمعية في معظم الدول العربية، وهي الأنظمة التي شوّهت التركيبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية كلها، فإذ بها تصادر الحريات وتقمع الرأي العام وتلاحق الأصوات المعارضة نفياً واعتقالاً وتعذيباً وتصفيةً، وتمسك بمرافق الدولة ومفاصلها الاقتصادية لتحكم قبضتها على الثروات وتوظفها في سبيل استدامة سطوتها ونفوذها، وتضرب كل أشكال الحراك المجتمعي الحر المتفلّت من قيودها الحديدية ليتسنّى لها الحفاظ على وجودها واستمرارها.

من هنا، يمكن القول إن المفاعيل السلبية، لا بل الكارثية، لما قامت به الديكتاتوريات العربية، لم تجعل قدرة التغيير صعبة وربما مستحيلة فحسب، إنما أيضاً حولت كل الطاقات إلى قدرات ناقصة، ما جعل العديد من النخب والقوى الحيّة تتساءل عن المصير الذي قد ينتظر تلك البلدان في حال خوض غمار التغيير على صعوبتها.

واليوم، مع انطلاق الثورات العربية، فإنّ المصاعب التي تواجه البلدان التي خاضت الثورات وتخلصت من الطغيان، سببها الرئيسي يكمن في هذا التشويه المنهجي والمتعمّد الذي قامت به تلك الأنظمة، وكأنها كانت تتحسب لما قد يجري في حال الانقلاب عليها، ما دفعها لتطبيق قاعدة: "أنا ومِن بعدي الطوفان". هذا ما فعله جميع الطغاة من صدام حسين إلى حسني مبارك ومعمّر القذافي وزين العابدين بن علي وصولاً إلى علي عبد الله صالح والآخرين الذين لم يقصّروا أبداً في المجال ذاته. مهما يكن من أمر، فإنه لا يمكن الركون إلى النظرية القائلة إن التعاطي مع نظام قائم حتى ولو كان ديكتاتورياً يبقى أفضل من القفز في المجهول، لأنّ القبول بهذا المنطق يعني عملياً تأبيد الديكتاتوريات وعدم ترك أيّ نافذة للخروج من المأزق السياسي الذي يتولد بمجرد القبض على السلطة بكل مفاصلها من قبل الأنظمة القمعية.

إن هذه الأنظمة القمعية هي التي تولد الأزمات أثناء حقبات قوتها وبعد اهتزاز مرتكزاتها وبعد سقوطها. فمع انطلاق الثورات ومقاومة تلك الأنظمة لعملية التغيير الديموقراطي والسلمي تنزلق البلاد إلى الانقسام والتوتر، وتنتصب الجدران الفاصلة بين أبناء الوطن الواحد، وتتخذ أشكال المطالبة بالتغيير اتجاهات عنفية كما حدث ويحدث في سوريا وتنطلق الحرب الأهلية التي غالباً ما توفر مساحات مهمة للأقطاب الدولية لتتصارع على أراضي الآخرين، تماماً كما سبق أن حصل في لبنان خلال الحرب الأهلية (1975-1990) وتصبح هذه الساحات أيضاً موقعاً ملائماً لسوق السلاح الذي إذا لم يتم تصريفه يتحول إلى خردة ويتآكله الصدأ.

سوريا، وقعت في الفخ بفعل إصرار نظامها على مواجهة شعبه بأزيز الرصاص وهدير الطائرات ودوي القنابل، في الوقت الذي انطلقت فيه الثورة بالصدور العارية والأظافر الفتية، فصوبت الرشاشات نحو الصدور العارية، وقلّمت أظافر الأطفال بوحشية وبربرية.

غريبة هي الديكتاتوريات، فهي تريد أن يصبح شعب يعد بالملايين، يملك رأياً واحداً وصوتاً واحداً وموقفاً واحداً، ويمجد زعيماً واحداً خالداً، وتريده أن يشكر ربه لأنها تترك له الهواء ليتنفس والشمس لينعم بنورها، وتصادر كل شيء آخر.

انتهى عصر الديكتاتوريات، هذا محسوم وأكيد.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل