أحب يسوع، فأسكنه في عقله وقلبه وصدره، وحمله ايقونة في يده، ليكون شاهداً على قلمه المكرّس لحب يسوع والوطن والشعب والحرية والسيادة والاستقلال، وعندما طالته يد الغدر والاجرام، وتناثر جسده، لحماً ودماً وعظماً، في الارض التي عبد بعد الله، خلته وكأن روحه تسابق جسده المتناثر لتغل في الارض والشجر والحجر، تطهّرها وتطرد منها الاقدام النجسة التي لوثتها، وتحكي حتى نهاية الأبد، حكاية انسان من لبنان، وُلِد بطلاً، وعاش بطلاً واستشهد بطلاً.
سبع سنوات مرّت على ولادة جبران التويني الثانية، الاولى كانت ولادته البشرية، امّا الثانية فهي السماوية، حيث الشهداء والقديسون والصدّيقون، وحيث لا وجع ولا الم ولا حقد ولا مجرمين، وحيث غسان وناديا ونايله ومكرم، وعشرات الالوف من شهداء الوطن والاستقلال.
قبل الميلاد بأقلّ من اسبوعين، كان جبران ينتظر نجم المجوس، ليحجّ الى المغارة، ويسجد للمخلص ويصلّي من اجل لبنان، الاّ ان ابليس الذي يتقنّع بوجه بشري، كانت له حسابات اخرى، كون جبران استعار من «غربة، بنت جبال الصوّان» دورها ونضالها واستشهادها، وهي تقاوم فاتك المتصرّف الذي يريد احتلال جبال الصوان وكسر ارادة اهلها واذلالهم، ومثلما انتصرت غربة وشعب جبال الصوّان، بالدم والاستشهاد، انتصر ايضاً جبران وشعب لبنان بالدم والاستشهاد، وستبقى الاجيال المتعاقبة، تروي في سهرات الليالي لأطفال الحرية، اسطورة غربة، وحقيقة جبران.
اليوم، والسكين ما تزال فوق عنق لبنان، كم تمنّيت في هذه السنوات السبع العجاف، لو ان قلم جبران لم ينكسر، رغم اقلام النهار، وان صوته لم يغب، رغم ارتفاع اصوات رفاقه وزملائه في النهار وفي قيادات 14 اذار، وكم اتمنى اليوم ان تمزّق العدالة قناع الوجه البشري عن قتلة جبران قبل ان يستفقدني الرب برحمته، لأذهب مطمئناً الى ان طريق العدل والحق والحقيقة، سالكة وآمنة باتجاه لبنان، وان كل الشهداء الذين سبقوا جبران والذين لحقوا به، ستغمض عيونهم القلقة على أهلهم وشعبهم ووطنهم، بعدما انتصر الحق وزهق الباطل.
* * * *
سبق لي وكتبت ان اثمن ما ورثناه عن والدي، اخوتي وانا، صداقاته لعدد من الكبار، مثل جبران الجدّ وغسان الاب، واستمرّت مع جبران، حميمة، صادقة، واخوية، ولذلك عندما اكتب عن جبران اكتب بالدم وليس بالحبر، خصوصاً ان بقاءه حيّاً، كان من شأنه ان يعطي دفعاً وزخماً قويين لانتفاضة 14 آذار، ان في الصحافة او النيابة او النضال الذي لا يلين ولا يهادن ضد الطامعين بلبنان والمتآمرين على وحدة شعبه وارضه، امّا اذا اردنا الكلام عن مزاياه الانسانية بعيداً من السياسة وحدّة الخلافات، فان جبران يمثّل المروءة بعينها، والعاطفة بصدقها، واللهفة البارزة على الموجوعين والمحزونين، وأنا كنت شاهداً على بعضها.
بعد اغتيال جبران، جرفتنا الفاجعة الى حدود الشك وقلّة الايمان، ولمّا سقطت الانتفاضة في الاخطاء والعثرات، اوشكنا ان نؤمن بأن استشهاده، واستشهاد من سبقه ولحقه، كان من اجل قضية خاسرة.
اعترف اليوم، اننا في الحالتين، كنّا على خطأ شنيع، لا يشفع التخفيف من شناعته، سوى محبتنا لهذا الانسان الاستثنائي، وكما ان القيامة توجت آلام المسيح وصلبه، فان استقلال لبنان الثاني، ولو تعثر، ووحدة المسيحيين والمسلمين ولو اهتزّت، الاّ انهما توجّا دم جبران ورفاقه واستشهادهم من اجل حرية لبنان وسيادة الدولة على كامل التراب اللبناني، ولو تأخّرا.
انت في البال والوجدان يا جبران، طالما ان هناك أقلاماً حرّة تكتب، وشعباً يملأ ساحات الحرية والنضال، وقياديين عاهدوا الله والوطن على بذل ما بذلت انت، في سبيل ثوابت الحرية والكرامة والسيادة والاستقلال الكامل الناجز.
… وانتفاضة حتى النصر.