
كتبت كلوديت سركيس في "النهار":
مسألة ملاحقة السلطات السورية لمسؤولين سياسيين وقضائيين امنيين وصحافيين لبنانيين، وآخرها مذكرتا التوقيف في حق الرئيس سعد الحريري والنائب عقاب صقر بجرم تسليح "الجيش السوري الحر"، والتي سبقتها عام 2010 صدور 26 مذكرة توقيف تبعا لشكوى تقدم بها اللواء جميل السيد ضدهم امام القضاء السوري، هذه المذكرات ليست باكورة الملاحقات السورية لمسوؤلين لبنانيين. اذ سجلت واقعة في هذا المجال عام 1956 عندما اصدرت السلطات السورية مذكرتي جلب في حق نقيب الصحافة محمد بعلبكي بصفته صاحب مطبوعة "صدى لبنان" ورئيس تحريرها، تسلمهما لبنان في الثالث من شباط ذلك العام. الاولى تستدعيه للمثول امام الحاكم المنفرد في دمشق في دعوى اقامها الحق العام في سوريا "بمادة تعكير صفاء العلاقات بين الامة ونشر اخبار كاذبة"، والثانية للمثول امام قاضي التحقيق الاول في دمشق "بمادة نشر انباء غير صحيحة". حينذاك سجل بعلبكي اعتراضه على صلاحية المحاكم السورية عندما تبلّغ اوراق الجلب. ومع ذلك اصدرت محكمتان سوريتان حكمين غيابيين بحقه، صدر الاول في 26 ايلول 1956 عن محكمة بداية الجزاء في دمشق بحبسه شهرا، فيما أصدرت الثاني المحكمة العسكرية العرفية في دمشق، وقضى باعتقال البعلبكي خمس سنوات. وطلبت سوريا من النيابة العامة في لبنان تنفيذ هذين الحكمين. وكتب بعلبكي وقتذاك الى وزير الانباء في لبنان معتبراً ان القرار السوري "يثير مسألة مبدئية خطيرة تتصل اوثق الاتصال بسيادة لبنان وقوانينه وحرية الصحافة فيه، وضرورة اتخاذ موقف حاسم يسري مسرى الاجتهاد في هذه المسألة المبدئية التي تنطوي على سابقة فريدة ليس لها مثيل في تاريخ الصحافة في العالم".
وكان للنائب العام التمييزي يومها قرار اعتبر فيه ان قاضي التحقيق في بيروت هو في الاساس المرجع الصالح للتحقيق بالاستناد الى قانون اصول المحاكمات الجزائية في لبنان، والمماثل نصه في سوريا في مادته الثالثة. وقال: "في القضية المسوقة على السيد محمد بعلبكي لا نرى ان للقضاء السوري حقاً في ملاحقته في دمشق من اجل ما اسند اليه، بل ان للسلطات السورية اذا شاءت، ان تلفت اصحاب الشأن في لبنان لملاحقته امام القضاء اللبناني".
وبعد 54 عاماً، وبتكليف من مجلس الوزراء برئاسة سعد الحريري، وضع الوزير السابق للعدل ابرهيم نجار، بعد استشارة هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، مطالعة أبلغت من نظيره السوري وحصلت عليها "النهار". واوردت ان التبليغات في صددها تمت من خلال مراسلة المحامي العام الاول في دمشق للنيابة العامة التمييزية في 23/11/2009 بوجوب مثول المعنيين في الشكوى بصفة مدعى عليهم، وبينهم النائب العام التمييزي في حينه القاضي سعيد ميرزا امام قاضي التحقيق الاول في دمشق "ثاني يوم التبليغ". وتبعتها ثلاث مراسلات تبليغ بالطرق الديبلوماسية في 8 كانون الاول 2009 و27 كانون الثاني 2010 و 7 شباط 2010 فيما تبلغت سفارة لبنان في فرنسا من السفارة السورية في فرنسا مذكرة دعوة السفير السابق جوني عبده.وفي مرحلة ثانية، في 8/10/2010، وردت مراسلة الى النائب العام الاستئنافي في بيروت تتضمن "26 مذكرة صادرة على الغياب" (مذكرات توقيف غيابية) في حق المدعى عليهم. وورد فيها، الى جرم "التحريض على الافتراء الجنائي وشهادة الزور وحجز الحرية"، عبارة "شاملاً حجز حرية من تاريخ توقيفه". وقالت المطالعة "من الواضح ان حق الادعاء يعتبر من الحريات التي يصونها الدستور في النظام القضائي اللبناني، والحفاظ عليه وصون نظامه يتصلان بالانتظام العام والحقوق الاساسية. وبالتالي فإن مناقشة صلاحية القضاء السوري بالنظر الى ما يقره القانون اللبناني لا يعدو كونه من قبيل النظر في آثار ما يقرره القضاء السوري على النظام القضائي اللبناني، وبالتالي مدى سريانه في لبنان (…) وترعى العلاقات القضائية اللبنانية – السورية اتفاقات متعددة ابرزها، في المجال المتعلق بتبليغ الاوراق والمذكرات وتحديد الصلاحية: قانون 27 تشرين الاول 1951 والقانون 630 الصادر في 23/4/1997 بابرام الاتفاق الملحق بالاتفاق القضائي، بناء على احكام معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق الموقعة في دمشق تاريخ 23/5/1951 وتماشياً مع احكامها (…). ولحظت ان "ثمة شروطا" شكلية واخرى اساسية ترعى التبليغات في الشكوى. وسهلت المادتان 25 و27 المعاملات والتبليغات، اذ اجيز التبليغ من دون توسل الطرق السياسية. وارست المادتان 25 و26 قواعد كلية في غاية الوضوح بينها "قاعدة مقتضيات النظام العام في التبليغ التي تتبدى من احكام المواد المشار اليها وتجيز للدولة المطلوب اليها اجراء التبليغ وفقاً لقوانينها هي، بدليل انها تتيح للدولة المطلوب اجراء التبليغ فيها حق الادلاء والتذرع بمقتضيات النظام العام في الدولة المطلوب اليها التبليغ حيث يحدد النظام العام في هذا البلد اجراء التبليغ على اراضبه انطلاقا" من قوانينه الداخلية (…)". أي ان الاتفاق القضائي لعام 1951 استوحى قواعد مقررة في القانون الدولي الخاص والعام، ومنها القاعدة القائلة ان "قانون المكان يسود شكل العمل القانوني". واخذت على"عدم جواز ابلاغ لبناني مقيم في الخارج من دون المرور بالطرق الديبلوماسية. وقد اشارت النيابة العامة التمييزية الى العيوب الشكلية التي اعتورت مذكرات الدعوة. ومن الواضح ان الاتفاق القضائي يحيل على القانون اللبناني الداخلي معظم ما يتصل بالاصول الشكلية والصلاحية المكانية والاقليمية".
واضافت: "ان التقيد بالاتفاقات المعقودة يجعل القضاء السوري غير ذي صلاحية في موضوع مذكرات التوقيف، لما فيه حسن التعامل وجدية سير العدالة". كما "يتضح من مراجعة الاحكام التي ترعى نظام الانتربول وملاحقة المجرمين داخل الاراضي اللبنانية، ان الملاحقة من المؤسسة الدولية تنتفي اذا كان موضوع الجرم مشمولا" في نطاق الصلاحية الاقليمية او الذاتية او الشخصية كما حددتها المواد 15 الى 17، وآخر الفقرة الاولى من المادة 18، والمواد 1 الى 21 من قانون العقوبات اللبناني".
وركزت على ان "من حق لبنان تولي محاكمة المدعى عليهم امام قضائه وعلى اراضيه (…) لهذه الاسباب ان تطبيق الاتفاق القضائي بين لبنان وسوريا والتقيد بمقتضيات السيادة الوطنية لكل من الدولتين يحولان دون تنفيذ مذكرات التوقيف السورية في لبنان، وبالتالي يولي لبنان صلاحية محاكمة رعاياه ومطالبة نقل ملف الدعوى الى قضائه".