
كتب صلاح تقي الدين في "المستقبل":
من الواضح أن قرار مجلس الوزراء بالترخيص لشركة "ديبلوماكس" إنشاء "جامعة بيروت الدولية" على الرغم من تحفّظ المدير العام للتعليم العالي واعتراض اللجنة الفنية في مجلس التعليم العالي والمستشار القانوني لرئاسة مجلس الوزراء، لن يمر مرور الكرام، إذ أن المسألة تتعدى مخالفة المعايير الأكاديمية والتعليمية لتصل إلى موضوع الاحتيال على أملاك تعود للوقف الخيري السني ناهيك عن استغلال الهيمنة السياسية التي يفرضها فريق الممانعة على الحكومة وقراراتها.
وإن كان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي قد رضخ لضغوط سياسية فرضت عليه القبول بتوصية وزير التربية حسان دياب الترخيص للشركة التي يملكها سمير أبي ناصيف، صهر الوزير والنائب السابق عبد الرحيم مراد، وولدي الأخير عمر وحسن، فإن الترددات التي ستترتب على هذا القرار ستكون سياسية وشعبية، اضافة الى الناحية القانونية إذ سيبادر المتضررون من "اللعبة الجهنمية" التي مارسها مراد، للجوء إلى القضاء والادعاء على مراد لاسترجاع "أموال الأيتام والشهداء".
يبدو أن القصة ليست وليدة البارحة بل تمتد جذورها إلى أكثر من 15 سنة وتتعلق بأملاك كانت تعود أصلاً إلى حزب "الاتحاد الاشتراكي العربي" والتي بحسب عضو الحركة التصحيحية في حزب "الاتحاد" محمود حصيد، بنيت "بدماء الشهداء وأموال التبرعات التي وصلت للحزب آنذاك بهدف رعاية ابناء منطقتي البقاع الأوسط والغربي".
ويقول حصيد إن الأرض التي بنيت عليها جامعة "البقاع" التي تحوّلت لاحقاً إلى "الجامعة اللبنانية الدولية" هي في الأصل "مملوكة من جمعية التنمية الاجتماعية والثقافية، وهي جمعية حزبية تابعة لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي قامت بوهبها إلى جمعية النهضة الخيرية الإسلامية في فترة الوصاية السورية على لبنان".
أضاف "ولما لم يكن بالإمكان تسجيل ملكية الأرض على اسم جمعية النهضة الخيرية الإسلامية التي تحوّلت لاحقاً إلى وقف خير تولى إدارته مراد، فقد تم تحرير عقد إيجار لمدة 99 عاماً تبرّعت به جمعية التنمية لصالح دار الحنان لإنشاء الصرح التعليمي الذي يفيد أيتام الدار وأبناء المنطقة".
ولا يخفي حصيد مرارته ازاء تطوّر الأوضاع السياسية التي دفعته مع مجموعة من أعضاء الحزب الآخرين إلى الانشقاق عن الحزب وتشكيل الحركة التصحيحية ومواجهة مراد الذي "استولى على كل ما يمت إلى الحزب بصلة من أصول مالية وعقارية" والتي انطلق منها بطبيعة الحال لبناء مخططه والاستيلاء على هذه الأموال وتحويلها لمصلحة الجمعية العائلية التي تمثّلت بشركة "ديبلوماكس".
ومن الأخطاء "الجسيمة" التي ارتكبها أعضاء الحزب عشية الانتخابات النيابية في العام 2005، كان تحويل جمعية التنمية إلى وقف وتفويض مراد إدارته، وإعطاؤه الصلاحيات المطلقة تحت حجج أمنية وسياسية مختلفة كان "الوصي" على مراد يمليها على الحزب وأعضائه بفعل الأمر الواقع السائد آنذاك.
ويرى حصيد أن "المعضلة الرئيسية تتمثل في أن الوقف السنّي المستثنى لا يخضع لإدارة مديرية أوقاف البقاع ولا حتى لمديرية الأوقاف في دار الفتوى في بيروت، وبالتالي فإن تمادي مراد أزاء هذا الواقع، دفعه بصفته متولياً إدارة الوقف إلى وضع نظام داخلي للوقف استفاد منه بطريقة لا تخطر ببال إنسان، إذ ورد في أحد بنود النظام أن المتولي على الوقف يحق له تعيين الخلف وللأخير حق تعيين خلف له من بعده، ناهيك عن تعيين نجله نائباً للمتولي".
وعلى الرغم من الجهود الحثيثة التي بذلها المعترضون للحصول على نسخة عن النظام الداخلي المخالف لأبسط قوانين الوقف وإدارته، إلا ان جهودهم باءت بالفشل ولم يوافق الوصي الشرعي على الوقف، قاضي شرع البقاع الشيخ عبد الرحمن شرقية، على "الإفراج" عن نسخة عنه، وفقاً لحصيد.
والمثير هنا، انه استناداً الى قوانين الوقف، يقول حصيد، فبإمكان "أي مسلم سني من منطقة البقاع الغربي والأوسط الاعتراض على مراد واحتياله على أموال الوقف التي يفترض أن تكون للمنفعة العامة وليس الفردية أو العائلية كما حوّلها مراد".
وكانت الحركة التصحيحية لحزب "الاتحاد" أصدرت بياناً أول من أمس دانت فيه "قرار مجلس الوزراء ورأت فيه تآمراً على حقوق الوقف الإسلامي وانحيازاً للمحاسيب والأزلام التابعين للفريق الحكومي، فالحكومة بمنحها الترخيص لجامعة جديدة على عقارات تشغلها جامعة أخرى عمل مخالف للقانون وباطل".
أضاف البيان "أكدت الحكومة بقراراتها أنها حكومة فئوية تشرّع السرقة، خاصة أن الوقف المشار إليه موجود لمنفعة دار الحنان للأيتام".
هذا في ما يتعلق بمقر الجامعة الأم في بلدة "الخيارة" في محافظة البقاع والتي من بين الملاحظات الكثيرة على إدارة مراد لأموال الوقف، يشير حصيد إلى أن الجامعة تبرّعت بمبلغ 150 ألف دولار لصالح "دار الحنان" من أصل أرباح حققتها الجامعة بلغت 12 مليون دولار ذهبت إلى جيب مراد وعائلته.
أما في بيروت التي احتضنت على العقار 1111 من منطقة المصيطبة العقارية فرع "الجامعة اللبنانية الدولية"، فالمفارقة هنا بنظر حصيد أن هذا الأمر لا يمكن السكوت عنه لما يشكله هذا العقار كرمز تاريخي ونضالي بالنسبة الى حزب "الاتحاد الاشتراكي العربي".
ويقول "هذا العقار كان يحتضن المقر الرئيسي للحزب، وفي أثناء الاجتياح الإسرائيلي لبيروت في العام 1982، حاول القائد العسكري للعدو الإسرائيلي جاهداً مفاوضة الرفيق عمر حرب لتسليم المقر وتأمين خروجه وخروج مقاتلي الحزب منه بأمان إلا أن حرب رفض، فكان أن بقي هذا المقر رمزاً للصمود في وجه العدوان الإسرائيلي".
في أي حال، فإن الاعتراضات على ممارسات مراد كانت كثيرة وهي أثمرت من الناحية السياسية انشقاق الحزب وقيام الحركة الإصلاحية، لكن من الناحية الشعبية والاجتماعية، فقد برزت من خلال ارتفاع الأصوات عالياً بوجه مراد من قبل عدد كبير من الموظفين العاملين في الصرح التربوي، لكن النتيجة كانت صرفهم من العمل.
ويقول الوزير السابق محمد رحال، ابن البقاع الأوسط والعليم بشؤون المنطقة وشجونها، وكذلك مخالفات مراد وطموحاته غير المحدودة، إن المشكلة المتعلقة بـ "الجامعة اللبنانية الدولية" برزت بعد إنشاء فروع لها في المناطق اللبنانية "حيث أن طمع مراد تحوّل الى وضع خطة للاستيلاء على ملكية هذه الفروع التي تعود أصلاً إلى الوقف، لتحويلها إلى ملكية خاصة تعود لاحقاً إلى أولاده".
وبحسب رحال فإن "السرقة الكبيرة تتمثّل في الاستيلاء على هذه المؤسسات تحت اسم شركة خاصة وهي مؤسسات يجني منها أموالاً كثيرة يريد استغلالها كما استغلها سابقاً لصالح طموحاته السياسية وليس الانمائية في وقت أصبحت فيه أقساط المدارس والجامعة التي يديرها مراد أغلى من أقساط الجامعات والمدارس في بيروت عوضاً أن تكون مجانية ولصالح أهالي المنطقة".
ويوضح أن الأموال التي وصلت إلى حزب "الاتحاد الاشتراكي العربي" والتي كانت بهدف مساعدته على مقاومة إسرائيل وإنشاء مؤسسات تمكّن أهالي منطقة البقاع الأوسط والبقاع الغربي من مواجهة الأعباء المعيشية "استولى عليها مراد بالقوة والآن يريد تحويلها إلى مؤسسته العائلية".
وإذ يؤكد رحال أن الموضوع ليس خفياً على دار الإفتاء في بيروت، فإن المسؤولية لاسترجاع أموال الوقف تعود بجزء كبير منها على دار الإفتاء أو مديرية الأوقاف.
ماذ عن التحركات المستقبلية، وكيف سيصار إلى مواجهة هذا "الضرب" وهل سبق السيف العذل؟
يقول حصيد إنه يجب اللجوء أولاً إلى الإعلام لإيضاح أبعاد خطورة مخطط مراد الذي "حوّل أملاك الأيتام لصالح عائلته، ومن ثم الضغط على الحكومة لدفعها الى التراجع عن قرارها الترخيص لشركة ديبلوماكس إنشاء جامعة على أملاك تحتضن جامعة أخرى".
ويوضح أن الشهادات "التي تمنحها فروع الجامعة لطلابها موقعة من الفرع الرئيسي في البقاع لأن هذه الفروع مخالفة لقوانين التعليم الجامعي وليست شرعية".
لكن رئيس الحركة التصحيحية في حزب "الاتحاد" حسن شلحة، يعتقد ان قرار مجلس الوزراء برمته مخالف للقانون ولا شرعي. لقد تم التعاطي مع هذه المسألة من الناحية السياسية وضرب الوزراء ورئيسهم بالناحية الأكاديمية والتعليمية عرض الحائط ولم يلحظوا عن قصد اعتراض المستشار القانوني للحكومة على الترخيص".
ويضيف شلحة "لقد اثبت هذا الوضع أن الحكومة هي حكومة فريق واحد تخدم أزلامها وأنصارها، وما كان عبد الرحيم مراد ليحلم بإمكانية الحصول على الترخيص لو لم تكن هذه الحكومة المغطاة من قبل حزب الله في موقع السلطة".
ويؤكد أن "هذه الضروب الاحتيالية لمراد ليست الأولى وحتماً لن تكون الأخيرة فهي بدأت منذ استيلائه قسراً وبالقوة على أموال جمعية التنمية الاجتماعية والثقافية التي تعود لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي أصلاً وصولاً الآن إلى القيام بهذه العملية الاحتيالية الكبيرة التي سرق من خلالها أموال المناضلين في حزب الاتحاد".
هل ستصل هذه المعطيات إلى المعنيين، وإن وصلت كيف سيتصرفون بها؟ سؤال برسم حكومة "حزب الله" برئاسة نجيب ميقاتي، وبرسم ميقاتي شخصياً إذ كيف يتغاضى عن سرقة أموال الوقف الخيري السني؟ لكن يبدو أن لا حياة لمن تنادي، فعلى الرغم من الزوبعة الإعلامية التي أثارها فضح هذا الموضوع، إلا أن اياً من المعنيين لم يردّ حتى الآن.