الجمعة بعد أحد مولد يوحنّا المعمدان
قراءَةٌ منَ القدِّيسِ أَنسلمُوس (+1109) "وجهَكَ، يا ربِّ، أَلتَمِس" (مزمزر 26/8)
هيَّا تشجَّعيِ أَيَّتُها الخليقةُ الضَّعيفَة! تخلَّي قليلًا عن مشاغلِكِ، وتنحَّي فترةً عن ضجيجِ أَفكارِكِ. إِطرحِي الآنَ بعيدًا الهمومَ المُزعِجَةَ وٱتركي القَلاقِلَ جانبًا. أَعطي اللهَ لحظةً وٱرتاحي فيه. أُدخُلي مُخدَعَ روحِكِ ولا تدعِي أَحدًا يدخُلُهُ غيرَ الله، أَو ما يمكنُهُ أَن يساعدَكِ على أَن تجدِيهِ. أَغلِقِي البابَ وجدِّي في طلبِهِ.
والآنَ تكَلَّمْ يا قلبي، إِنفتحْ بكاملِكِ وقُلْ لله: "وجهَكَ، يا ربِّ، أَلتَمس". والآنَ أَنتَ أَيُّها الرَّبُّ إِلٰهِي، علِّم قلبي أَينَ وكيفَ يُفتِّشُ عنكَ، أَينَ وكيفَ يجدُكَ. يا ربّ، إِذا لم تكن هنا، فأَين أُفتِّشُ عنكَ؟ وإِذا كُنتَ حاضرًا في كلِّ مكان، فلماذا لا أَتمَكَّنُ من رؤْيتِكَ؟ نعم إِنَّكَ ساكنٌ في نورٍ بعيد. ولٰكن أَينَ هو النُّورُ البعيد، وكيفَ أَتوَصَّلُ إِلى هٰذا النُّورِ البعيد؟ من يقودُني إِليهِ، ويُغرِقُني فيهِ لكي أَراكَ؟ ما هي الدَّلائِل، وفي أَيِّ جهةٍ أُفتِّشُ عنكَ؟ لم أَركَ قطُّ، ربِّي وإِلٰهي، فماذا يستطيعُ أَن يفعلَ هٰذا المنفيُّ بعيدًا عنكَ؟ ماذا يستطيعُ أَن يفعلَ خادمُكَ التَّائقُ إِلى محبَّتِكَ والمنبوذُ عن وجهِكَ؟ إِنَّهُ يتوقُ إِلى رؤْيتِكَ، ووجهُكَ غائبٌ عنهُ. يريدُ أَن يجدَكَ ولا يعلَمُ أَينَ أَنتَ. ربِّ أَنتَ إِلٰهي، أَنت معلِّمي، ولم أَنظُركَ قط. أَنت خلقتَنِي، ثمَّ خَلقتَني ثانية. أَوليتَني خيورِي كُلَّهَا ولم أَتعرَّفْ بكَ بعدُ. صنعتَنِي لكي أَراكَ ولم أُحقِّقَ غايتي. يا تعسَ حظِّ الإِنسانِ إِذا أَضاعَ ما خُلِقَ لأَجلِهِ…
وأَنتَ يا ربِّ، إِلى متَى؟ إِلى متَى تنسَانَا؟ وكم منَ الزَّمَنِ تحجُبُ وجهَكَ عنَّا؟ متَى تنظُرُ إِلينا وتستجِيبُنا؟ متَى تنيرُ أَبصارَنا وتُرِينا وجهَكَ؟ متَى تعودُ إِلينا؟ متى تنير أبصارنا وترينا وجهك؟ أُنظر، يا ربِّ، أَضى علينا، أَرِنا نفسَكَ. أَعِد لنا خيرَ وجودِكَ، نحنُ الَّذينَ، من دونِكَ، نسيرُ إِلى البُؤْس. تحنَّن على جَهْدِنا المتواصلِ لنلقَاكَ نحنُ الَّذينَ لا نستطيعُ شيئًا، في معزلٍ عنكَ. إِنَّكَ تدعونا فأَنفذْ دعمَكَ. أَرجُوكَ، ربِّ، لا تدعنِي أَتنَهَّدُ قنوطًا، بل ٱجعلني أَتَنفَّسُ رجاء…وأَفسح لي في أَن أَرى النُّورَ ولو من بعيد، منَ الأَعماق. علِّمني أَن أُفتِّشَ عنكَ. أَظهِر نفسَكَ حينَ أُفتِّشُ عنكَ، لأَنِّي لا أَستطيعُ أَن أُفتِّشَ عنكَ إِذا لم تكن لي دليلًا ولا أَن أَجدَكَ إِذا كنتَ لا تُظهِرُ نفسَكَ. سأُفتِّشُ عنكَ بشوقي وأَتُوقُ إِليكَ في تفتيشي. سأَجِدُكَ بحُبِّي، وسأُحِبُّكَ يومَ أَجِدُكَ.
الرّسالة: روم 9: 30-33
30 إذًا فماذا نقول؟ إنّ الأممَ الّذينَ لم يسعَوا إلى البرّ قد أدركوا البرّ، أي البرّ الّذي هو منَ الإيمان.
31 أمّا إسرائيلُ الّذي سعى إلى شريعة البرّ، فلم يبلغْ شريعةَ البرّ.
32 لماذا؟ لأنّه لم يسعَ إلى البرّ بٱلإيمانِ بل بٱلأعمال. فعثروا بحجرِ العثرة،
33 كما هو مكتوب: "ها إنّي أضعُ في صهيونَ حجر عثرةٍ، وصخرةَ شكّ، فمن يؤمنُ به لا يُخزى".
شرح آيات الرّسالة:
30 روم 10/20؛ 11/7.
الأمم الّذين لم يسعوا إلى البرّ: بٱلمقابلة مع شعب التّوراة، يرى بولس أنّ الأمم الوثنيّة لم تطلب البرّ. وليس الكلام هنا على البرّ الأدبيّ الشّخصيّ، وقد سعى إلى مثل هٰذا البرّ أناس وثنيّون كثيرون، لٰكنّ الكلام على البرّ النّابع من الإيمان، والّذي كان الإسرائيليّون يسعون إليه، ولٰكنّهم لم يدركوه!
31 حك 2/11؛ روم 10/2-3؛ لو 18/9-14.
فلم يبلغ شريعة البرّ: لم يصل شعب إسرائيل، شعب الشّريعة، إلى الغاية الّتي كان على الشّريعة أن توصله إليها، إمّا لأنّه لم يحفظ الشّريعة (متّى 23/3؛ رسل 15/10؛ روم 2/21-23)، وإِمَّا لأنّه لم يدرك الهدف الأسمى، أي المسيح، وقد كان على الشّريعة أن تقوده إليه، ولم يَسَعْها!
32 آش 8/14.
33 آش 28/16؛ روم 10/11؛ 1 بط 2/6-8؛ لو 2/34؛ متّى 21/42.
الإنجيل
متّى 11: 16-19
حكم يسوع على أبناء جيله
16 وبِمَن أُشبِّهُ هٰذا الجيل؟ إنّه يُشبه صبيانًا جالسين في السّاحات يصيحون بأصحابهم
17 قائلين: زمَّرنا لكم فلم ترقصوا، وندَبْنا لكم فلم تنتحبوا.
18 جاء يوحنّا لا يأكل ولا يشرب فقالوا: فيه شيطان!
19 وجاء ٱبن الإنسان يأكل ويشرب فقالوا: هوذا إنسانٌ أكولٌ وشرِّيبُ خمر، صديق العشّارين والخطأة! ولٰكنّ الحكمة تبرِّرها أعمالها!".
شرح آيات الإنجيل:
16-19 هٰذا الجيل: يحكم يسوع حكمًا صارمًا على معاصريه اليهود، الّذين ما آمنوا به، ولا بيوحنّا سابقه، ولا ٱتّفقوا على علامات الزّمن المسيحانيّ، ولا تبيّنوا عمل الله وحكمته، لا في زهد المعمدان، ولا في زهد يسوع، فهم أشبه بصبية في السّاحة لم يتّفقوا على لعبة. ولٰكنّ حكمة الله، الّتي تتوخّى خلاصنا، سائرة نحو هدفها، قائمة بأعمالها – أعمال يوحنّا ويسوع -، وهٰذه الأعمال دليل عليها، وتبرير لها.
18 متّى 3/4؛ 9/14؛ لو 1/15.
20 متّى 9/14؛ 9/10-11؛ لو 15/1-2؛ 19/7.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (زمن الميلاد المجيد جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1977).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.
