#adsense

بعد فايز كرم.. كل العملاء “بسمنة”

حجم الخط

كتب يوسف دياب في "المستقبل":

لا أحد يتمتع بالحدّ الأدنى من الحس الوطني، يقبل منطق الدفاع عن عملاء إسرائيل في لبنان، لأن أي دفاع من هذا القبيل لا ينفصل عن مبدأ الخيانة الوطنية أولاً وخيانة كل الشهداء الذين سقطوا ضحية الإجرام الإسرائيلي على مدى ستة عقود ونيّف في لبنان وفلسطين وغيرهما.

منطلق هذا الكلام الحملة العنيفة وغير المسبوقة التي تتعرض لها رئيسة محكمة التمييز العسكرية القاضية أليس شبطيني من قبل فريق الثامن من آذار عموماً، ومن إعلام "حزب الله" وسياسييه خصوصاً، على خلفية قرارها القاضي بإخلاء سبيل الموظف في شركة "ألفا" شربل قزي الذي يحاكم أمام محكمة التمييز بعد أن طعن بالحكم الذي أصدرته بحقه المحكمة العسكرية الدائمة والذي قضى بإنزال عقوبة الأشغال الشاقة بحقه مدّة سبع سنوات.

ربما ينسى أصحاب هذه الحملة المنظمة والمدروسة أو يتناسون عمداً، أن مشكلتهم ليست مع القاضية شبطيني وقراراتها وأحكامها، إنما مع أنفسهم وثقافتهم ومفهومهم للعمالة التي تبقى نسبية عندهم، لأن المعيار لديهم هوية العميل وانتماءاته وليست خيانته وجرائمه وارتكاباته، وهنا ثمّة أسئلة كبيرة تطرح نفسها بالتزامن مع هجوم "الممانعين" وتجار المواقف على أعتاب المواسم الانتخابية والاستحقاقات المصيرية، أهمها: أين كانت وطنية هؤلاء وحساسيتهم المفرطة من العمالة عندما أصدرت المحكمة العسكرية برئاسة العميد نزار خليل (الرئيس السابق للمحكمة العسكرية) الحكم بحق العميل الحليف فايز كرم؟ لماذا ابتلعوا ألسنتهم يومها ولم تتحرك حميتهم لسؤال رئيس المحكمة المحسوب عليهم بالسياسة عن سبب تخفيف حكم كرم؟ كيف يوفق "حزب الله" وحلفاؤه اليوم بين هذه الهجمة على القاضية شبطيني لاتخاذها قراراً في قضية لا أحد غيرها يملك حيثياتها ووقائعها وظروفها، في حين كان الحزب يطرب لحملات الحلفاء البرتقاليين، وأحياناً كثيرة فتح لهم هواء محطته التلفزيونية أرضية وفضائية، لشنّ حملات الافتراء على شعبة المعلومات وعلى اللواء الشهيد وسام الحسن، على خلفية توقيف القيادي العوني فايز كرم؟ ولماذا اختفت أصواتهم وغابت مواقفهم ولو لمجرّد الاستفسار عندما وجّه العونيون عاصفتهم نحو المحكمة العسكرية محاولين اقتلاعها عندما دانت كرم بالحكم الذي لا يرقى الى مستوى جرمه وخطورته؟ وما دامت الحساسية مفرطة عند أهل الممانعة، ماذا عن العملاء من قياديي "حزب الله" وكوادره الذين اعترف الحزب بتوقيفهم منذ سنتين وعلى دفعات؟ وأين أصبح مصيرهم وأين جرت محاكمتهم ولماذا لم يسلّموا الى القضاء؟ أم أنّ "الممانعة" نفسها كفّرت ذنوبهم ومحت خيانتهم؟

هذا في السياسة، أما في القانون، فإن لأهل الاختصاص في هذا الحقل قراءة تصويبية تكشف بما لا يدع مجالاً للشكّ أن هذه الحملة على رئيسة محكمة التمييز العسكرية منطلقة من خلفيات سياسية بحتة، وبرأي مصادر قانونية، فإن القاضية شبطيني "اتخذت من حكم العميل فايز كرم معياراً للقرارات التي تتخذها بشأن الإفراج عن متهمين بالتعامل مع إسرائيل، أو للأحكام التي أصدرتها أو تصدرها في هذا الشأن".

وتشرح المصادر المرتكز الأساسي للنظر في هذه الدعاوى فتقول: "عندما يحال فايز كرم على المحكمة العسكرية بموجب مواد اتهام مشددة تنص على الأشغال الشاقة المؤبدة أو الموقتة التي تصل الى حدّ السجن 15 سنة، ثم يصدر بحقه حكم لا تتجاوز عقوبته حدّ السنتين، ومن ثمّ سنة ونصف السنة مع تخفيض السنة السجنية الى تسعة أشهر بدل العام الكامل، ثمّ يحال على المحكمة نفسها والهيئة نفسها وبالمواد نفسها متهمون آخرون، وتصدر أحكام مشددة بحقهم تتجاوز العشر سنوات وبعضها 15 و20 سنة، فإن محكمة التمييز لا تستطيع أن تعتمد المعايير المزدوجة في تطبيق القانون، وهي تجد نفسها مضطرة الى إجراء مقاربات قانونية موضوعية في هذا الشأن. بمعنى آخر: من ارتضى تخفيف الحكم بحق كرم من عشر سنوات الى سنتين، عليه أن يتقبل النتيجة ذاتها لغير العملاء المتساوين في الاتهام والخيانة إذا صحّ التعبير".

وتؤكد المصادر، أن "المعايير المزدوجة ربما تكون مفهومة في السياسة، لكن لا يمكن تمريرها في القضاء، والا أضحى القانون يعمل وفق الأهواء السياسية، وليس وفق معيار العدالة التي ينشدها الناس". وتضيف "لو أن النيابة العامة العسكرية استأنفت حكم فايز كرم لكانت محكمة التمييز فسخته وشددت العقوبة أسوة بمن حكمت عليهم في قضايا سبقت هذا الملف، لكن غضّ النظر عن الطعن بهذا الحكم، وترك الملعب لوكلاء كرم يصولون ويجولون كبّل القاضية شبطيني وجعلها ملزمة في التصديق على العقوبة كما هي، وهذا ما يسري على الأحكام التي تلت ملف كرم منسجمة مع روحية حكم الأخير، وأبقت العقوبة تحت هذا السقف أو بموازاته".

هذه الوقائع كلها، تفرض على "الممانعين" أن يراجعوا سياساتهم بشكل كلّي، وأن يرسوا على برّ واحد، فإما يكون العميل عميلاً الى أي جهة انتمى، ويسري عليه مطلب "حزب الله" تعليق المشانق، وإما يترك القضاء يقوم بدوره من دون ضغط أو إكراه وإن كان بالإعلام، وأن يقلع عن فكرة "عميل بسمنة وآخر بزيت"، ومقاربة "ابن الست وابن الجارية"، وبكل الأحوال فإن فريق الثامن من آذار وخصوصاً "حزب الله" هو القيّم على السلطات في السياسة والقضاء وحتى الأمن، طالما أنه يمسك بقراراتها وبالتالي هو المسؤول عن كل ما حصل ويحصل، وعليه أن يصلح ما أفسده دهره بالأداء والممارسة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل