كتبت فاطمة حوحو في "المستقبل":
من يراقب حركة سفير إيران في لبنان غضنفر ركن أبادي الموازية لتحركات مماثلة تقوم بها قيادات من "حزب الله" على أبواب الانتخابات النيابية، يتذكر زيارات مماثلة كان يقوم بها رئيس فرع الاستطلاع السوري في لبنان اللواء غازي كنعان وخلفه العميد رستم غزالي، اللذان كانا يديران المعارك على الأرض في زمن الوصاية على أبواب كل انتخابات نيابية.
أول من أمس زار أبادي مدينة زحلة العاصية على "حزب الله" وفريقه والتي تمردت تاريخياً على الاحتلال السوري، فسارع أهل المدينة كما أوضح عدد منهم لـ"المستقبل" الى رفض المساعدات الإيرانية "الاجتماعية" كونها إعانة واضحة لفريق سياسي ضد آخر ومحاولة إصلاح ذات البين بين "التيار العوني" والنائب السابق ايلي سكاف والنائب نقولا فتوش على أبواب الانتخابات. من هنا بدا شبه إجماع زحلاوي على رفض الدور الإيراني الذي يحاول وراثة النظام السوري والتدخل في الانتخابات بطريقة مباشرة عبر بناء التحالفات المناسبة للنظام الوكيل وبناء نظام وصاية آخر هو النظام الإيراني، في دائرة تعتبر الصوت المرجح في الاستحقاق، لا سيما وأن النظام السوري على شفير الهاوية وسقوطه لم يعد بعيداً.
هذه الزيارة تركت ردود فعل قوية في الشارع الزحلاوي وأثارت مواقف وتحليلات مختلفة، إلا أن الإجماع كان موحداً حول اعتبارها زيارة انتخابية بامتياز لبناء التحالف الانتخابي الجديد.
ويقول النائب جوزف المعلوف لـ"المستقبل" إن "الواضح من سلوك السفير الإيراني، أن بلاده تسعى الى لعب دور النظام السوري في لبنان بطريقة مباشرة، وهو أمر غير مستغرب بالمطلق، لكن السماح لإيران بالتدخل في الانتخابات من قبل من يدّعون الانتماء الى زحلة مؤسف، فهم يأخذون توجيهات إيرانية ويأتمرون بما تقوله إيران التي تريد أن يكون لبنان مركزاً مباشراً لها على المتوسط، وهذا ما يفسر سلوكها بمحاولة السيطرة على الدولة اللبنانية من خلال "حزب الله" والقوى الموالية للنظام السوري الذي تطمح لأن ترثه على أبواب سقوطه".
ولا يستغرب النائب طوني أبو خاطر زيارة السفير الإيراني لزحلة، إذ يعتبر أنه "ليس أول سفير يزور المدينة ولن يكون الأخير"، ويستدرك "إلا أن اللافت أن عنوان الزيارة "اجتماعي" كما يدّعي مع أننا لم نر أي مشروع إيراني مفيد لزحلة".
ويفسر الزيارة بالقول: "إنها محاولة إنقاذية لفريق الثامن من آذار في زحلة ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه مع اقتراب سقوط النظام السوري لربح المعارك الانتخابية وهذا لن يحصل لأن زحلة تعطي أكثريتها للأكثرية وفي السابق حاولوا ولم ينجحوا، وهم يدركون أن معركة زحلة هي معركة مصغرة عن لبنان كونها منطقة متنوعة جغرافياً وطائفياً وثقافياً واجتماعياً ونتائجها مؤثرة".
ويضيف: "حسناً أن زيارة أبادي جاءت علنية وليست سرية، كونها "تولع" الشارع الزحلي وتترك أثراً سلبياً على أهل زحلة الذين ما زالوا مع شعارات الحرية والاستقلال وهم يؤكدون أننا لم ننتهِ من النظام السوري لنحضر "الإيراني"، مذكراً في هذا المجال "بموقف أهل زحلة الرافض لانتشار أعلام "حزب الله" في المدينة".
ويكشف مسؤول حزب "الوطنيين الأحرار" في زحلة عماد شمعون أن النائب السابق ايلي سكاف الذي حضر غداء المطرانية على شرف أبادي ولم يسلم على فتوش، "يحاول أن يسير في خط ثالث وأن يكون وسطياً، بين فريقي 8 و14 آذار حسب ما تقول أوساطه، أي أن يكون هو من يرأس اللائحة وهذا لا يرضي حلفاء الأمس. من هنا جاءت زيارة السفير الإيراني وكأن به يقول إذا ذهبت سوريا فبديلها السياسة الإيرانية وإن لم ينجح "حزب الله" بمهمة إجراء المصالحات فإيران جاهزة للتدخل المباشر".
ويرحب عضو الهيئة التنفيذية في المجلس الأعلى لطائفة الروم الملكيين الكاثوليك طوني طعمة بزيارة أبادي ويقول: "زحلة لكل الناس تفتح قلبها ويديها لأي مرجعية"، لكنه يتساءل "هل هي مصادفة أن تتم زيارة أبادي بعد يومين أو ثلاثة من محاولة "حزب الله" إجراء مصالحة بين فتوش وعون وسكاف؟".
ويؤكد: "الأمر فعلاً معيب، لأن الزحلاويين ليسوا قاصرين ويرفضون وصاية أي كان، سواء كانت سورية أو إيرانية أو من قبل "حزب الله"، فأبادي وإن أعطى لزيارته بعداً اجتماعياً إلا أنه كان من الواضح أنها محاولة لتقريب أفرقاء 8 آذار من أجل ربح الانتخابات لكن زحلة لن تقبل باستبدال الوصاية السورية بأخرى إيرانية، من هنا فإن محاولات تشكيل لائحة إيرانية تجمع التيار العوني وسكاف وفتوش لن تنجح خصوصاً أن الالتفاف الشعبي حول فريق 14 آذار موجود وقوي لكنه يحتاج الى شد عصب على أبواب الانتخابات".
وكان النائب إيلي ماروني اعتبر أن إيران "دخلت معركة زحلة الانتخابية من خلال زيارة سفيرها موضحاً أن "الأموال الإيرانية" تتدفق بسخاء تحت عناوين مناسبات ميلادية في محاولة لاستمالة بعض المواطنين بالأموال النظيفة"، وهذا ما يؤكده النائب المعلوف الذي يقول "إن هناك معلومات وصلتنا من عدد من المواطنين يجري فيها الحديث عن وجود ماكينة مالية إيرانية، عملت في الماضي خلال الانتخابات عام 2009 وهي تعمل اليوم تحضيراً لانتخابات 2013، لكن إيماننا كبير بأن المواطن الزحلاوي لن يبيع ضميره".
ويجد أبو خاطر أن "استخدام المال الإيراني محاولة بائسة للحصول على حصته في زحلة، فالمال ليس كل شيء، ونحن نعرف من خلال تجربة الانتخابات في العام 2005 أن هناك أشخاصاً قبضوا من جهة وصوّتوا لأخرى وهذا يحصل في لبنان في زحلة وفي غيرها، المهم أن الناس تعرف لمن يجب أن تعطي صوتها".
أما عن كيفية مواجهة 14 آذار للتدخل الإيراني في الانتخابات، فيرى المعلوف أن "التواصل مع الناس هو أفضل أنواع الرد، لكن الفريق الآخر استغل الظرف الأمني الذي تعيشه قيادات ونواب هذا الفريق نتيجة التهديدات التي يتلقاها ليفتح له ثغرة في زحلة ويتواصل مع الناس، لكن نحن ندرك أن أهالي زحلة متمسكون بالثوابت وإن جرى استقبال أبادي في مطرانية الروم الملكيين فإن ذلك لا يعني أن زحلة مع توجه المطران عصام درويش أو مع خياره وهو معروف في مواقفه الموالية للنظام السوري، وإذا كان يريد أن يلعب دور "العرّاب" في المصالحة فهذا شأنه، لكن أهالي زحلة الذين رفضوا تعليق أعلام "حزب الله" لن يكون موقفهم معه وهم ضد التدخل الإيراني وخيارهم واضح وهم في العام 2009 لم يخطئوا في الخيار ولن يخطئوا في العام 2013 وسيكونون الى جانب 14 آذار ضد التحالف المضاد".
وبالنسبة الى أبو خاطر، فإن "14 آذار تريد تخليص البلد وشعاراتها واضحة، والانتخابات محطة مهمة من أجل تحقيق ما تريده، لكن اليوم لا يمكن لنا وضع العربة أمام الحصان، لذلك علينا شراء الحصان ثم العربة وأعتقد أن تأمين الحماية للنواب أمر مهم من أجل تفعيل حركتهم على الأرض، وأنا لا أجد أن الصورة مظلمة بالنسبة الى فريق 14 آذار في زحلة، فالفريق الآخر مفكك وغير قادر على بناء تحالف يضم سكاف وعون وفتوش وحزب الله وإصلاح أهل البيت صعب ولو جاء 700 سفير الى زحلة، من هنا نحن لدينا قدرة أكبر على الربح وتنظيم صفوفنا".
ويرى شمعون أن "إيجاد موطئ قدم للسفير الإيراني في زحلة عبر المطرانية أمر خطأ، لكن هوى الزحلاويين واضح إنه مع شعارات 14 آذار ومع تشكيل لائحة تجذب الناخب وتضم شخصيات قادرة على تمثيل رأيه"، في حين يركز طعمة على أن "المدينة لأهلها والمدينة مع شرعية الدولة وحدها"، سائلاً: "إذا كانت زيارة أبادي "اجتماعية" إذاً لماذا لم تتم دعوة نواب زحلة الستة الموجودين في لبنان وبروتوكولياً كان يجب أن يكونوا حاضرين في غداء المطرانية وهذا التجاهل سيكون رد الفعل عليه واضحاً في الانتخابات فأهالي زحلة سيصوّتون لصالح مرشحي 14 آذار وسيختارون النواب الأفضل".
هذه هي الأجواء الزحلاوية من وجهة نظر نواب وفاعليات زحلة، فتركيب التحالفات لن يكون سهلاً على فريق الثامن من آذار والخيارات أمامه ليست كبيرة ويبدو أن أزمته ليست وليدة الظروف الإقليمية فقط ولكن المحلية أيضاً والتي قد تتغير في إطار التداعيات التي ستنشأ عن سقوط النظام السوري.