كما قد تُسَبِّبُ الصدمات العاطفية، والمآسي الانسانية أمراضاً نفسية، عانى بعض المسيحيين، ولا يزال من مرض سياسيّ أصابهم بالغباوة، بسبب ما لحق بهم، عبر التاريخ، من ظلم وحروب ومحاولات قهر وإخضاع.
ليس سهلاً أن تَحتَفِظَ بقوّتك النفسية، فلا يُسيطِرُ عليكَ الإنفعال او الإرتجال، إذا شَعَرْتَ بأنّ وجودك في خطر، وليس سهلاً أن تخوضَ غمار الحرب في العام ١٩٧٥، ونصف المسيحيين ليسوا الى جانبك، وكل المسلمين ليسوا حلفاء لك، وكل العرب ليسوا على ودٍّ معك، وكل العالم ومن ضمنهم الولايات المتحدة والفاتيكان لا يدرون ماذا يفعلون. كل سياسي مسيحي استمرّ خاضعاً لشروط تلك اللعبة القاسية، سقط اليوم من درجة خاضع الى عميل او غبي.
وكلّ سياسي مسيحي زايدَ وغالى وغلّبَ الأفكار العامة او الحقد ليسرق مجد غيره، أصبح على هامش الاحداث، وفي حواشي صفحات الكتب. من الممكن أنّ الحنكة من شروط العمالة، وأنّ السلوك الغرائزي من اسباب المُزايدة، ولكن في النهاية العمالة والمزايدة تصبّان في بحر الغباوة.
مَنْ وَقَفَ وتَفَرَّجَ او تَرَبَّصَ في تلك الايام العصيبة من ايام الحرب، ماذا عساه يقول اليوم، وقد أصبح الى جانب هذا النصف المسيحي المُبادر، كل العرب وكل العالم، ونصف المسلمين في لبنان على الاقل.
ولكن لأنّ الغبيَّ غبيٌّ، أنت تكتب كي لا يُصاب غيره بالمرض نفسه، إذ أن الطب لم يعرف حتى اليوم كيف يُعالج الفالج. هذا الاخ لي في المسيحية والمواطنة، يتصرف وكأن شيئاً لم يحصل على شريط ساحلي يمتد لنحو عشرة آلاف كيلومتر، من المغرب العربي الى المشرق الانطاكي.
بعينٍ مريضة لم يَرَ من كل الحِراك الشعبي المُنادي بالحرية والعدالة، إلّا المتطرفين والسلفيين، فَعَمَّمَ حيث يجب الفصل، وأحجَمَ حين وَجُبَتْ المُساندة وامتنعَ عن المشاركة ليستَبِقَ الأخطار، في حال كان مقتنعاً أنّ كل ما يحصل هو خطر وخطأ وشر وبلية! الامر لا يقف عند حدّ الغباوة.
لقد أصابوا مقتلاً في القِيم المسيحية. هم مع القاتل في سوريا، والمسيح علَّمهم أن يكونوا مع المقتول، ولو كان عدواً لهم! هم مع الكاذب لأنه يقول ما يريدون، وضد الحق لأنّ الحق هذه المرة يكشف غباءهم. لكبار النفس يليق الإقرار بالخطأ أو الإعتذار، وليس لصغار النفوس إلّا المُكابرة الإنتحارية.
قبل نحو مئة سنة، اندفع مفكرون مسيحيون نحو العلمنة والقومية واليسار. اعتقدوا انّ واحدةً من هذه الافكار الثلاث، او الثلاث معاً، تُصلِحُ لنظام حريةٍ وكرامةٍ لا يُفرِّقُ بين مسلم ومسيحي، ويَحولُ دون "أسلمة" الدول، فلا يبقى المسيحي، أو يعود، "ذمياً".
بماذا أتت النتائج؟ في لبنان وسوريا، على سبيل الحصر. استعمل حافظ الاسد العلمانية ليُحكِمَ قبضة الطائفة العلوية على كلّ السوريين، واستعمل عائلته الضيقة ليُحْكِمَ قبضتها على العلويين! وفي موقف خبيث منه، أباح للمسيحيين الاكل والشرب والصلاة وشرب العرق، ونقطة على السطر.
اصبحت الحرية والكرامة في ان تبقى على قيد الحياة. الغباوة المسيحية اللبناية تروّج لهذا الإنجاز الأسدي، فبالخبز وحده يحيا الانسان. يبدو انّ روما وزعت على فريق الغباوة انجيلاً خامساً. وتوسَّل حافظ الاسد، ومن ثم ابنه بشار، سياسة العداء مع اسرائيل، ليُزايد على الانظمة السُنية، علمانية أكانت او دينية.
انتهى الامر الى أن الشعب اكتشف متعةً لم تخطر على بال. من الأفضل أن تموت في الشارع، من أن تموت في أقبية التعذيب. أما العرب الذين، ومِنَ البدء لم تنطلِ عليهم مسألة العداوة مع اسرائيل، تركوه الى حين جاء ابن خاله رامي مخلوف ليفضح هذه الشمّاعة الزائفة.
في لبنان فتح اليسار معركة إسقاط النظام. اهتز النظام مع الطائف، ولكن لم يقع. ومن سخرية الأقدار أن الطائف يومَ استَتَبَّ في الدستور، كانت مجموعاتٌ بالمئات من قياداتِ اليسار العلماني، قد انضمَّتْ الى احزابها الطائفية، وكانت احزاب اليسار من ماركسية وغيرها، قد هُزِمَتْ على يد سوريا العلمانية و"حزب الله" الديني.
الغباوة المسيحية التي تَتَسَتَّر بأنها غير طائفية، لم تتعِظْ من مصير اليسار العلماني الذي أقصاه "حزب الله" من بيروت، ومنعه حتى من المقاومة ضد اسرائيل. من الغباوة ان ترهَنَ مصيرك مع حزب طائفي تابع تنظيماً وفقهاً لدولة اسلامية، من اجل حفنة من المقاعد النيابية.
ومن الغباوة ان تورِّط مسيحييك وتربطهم بذيل نظام على حافة الانهيار. حتى النأي بالنفس قد لا يكون كافياً من منطلق الرسالة المسيحية، وهو حتماً موقف خاسر في لعبة الواقع. اذا لم تحضر السوق، لا يمكنك ان تشتري او ان تبيع . ولكن يمكن ان تُشرى وتُباع، اذا نأيت او وقفت في المكان الخطأ.
الرواد المسيحيون في القومية والعلمانية، كانوا اصحاب فكر عميق وعالمي وانساني، نظرياً على الأقل. صحيح أنهم ورَّطوا أنفسهم وورَّطوا ملايين المسلمين الحالمين مثلهم بمثاليات العدالة والحرية. لكنهم أسسوا دولاً، وأطاحوا أنظمة، وأسقطوا عروشاً.
أين الفكر السياسي لمسيحيي الغباوة السياسية؟ فكرهم محصور، ببث الذعر اذا قرأوا موقفاً لمتطرّف اسلامي، لا يزيد اتباعه عن أعضاء نادٍ رياضي. فكرهم قائم على اكتشاف وثيقة تدين مسؤولاً بتهمة الفساد. هل مشكلة لبنان والمسيحيين أن بين المسؤولين السارق والفاسد؟ لماذا يُراد تحويل الأنظار عن الفكر العقيم الذي سرق مستقبلنا وأفسد ماضينا؟
الفكر العقيم الذي يمشي عكس اتجاه التاريخ في المفاصل الكبرى، ويقف ضد حرية الشعوب، ويُناصر المُستبد، ويُسَخِّف الشهيد، ويقرأ حتى الاحداث العادية بطريقة غبية، أليست الغباوة ألطف أوصافه؟ من يخاصم "الاخوان المسلمين" من دون سبب، ويلتصق بحزب ديني، ومرجعه الايراني، هل يحق له الكلام على التطرف الديني؟
من يُبالغ في التخويف من التطرّف السُني، ويُقَدِّم "حزب الله" الشيعي كأنه قمة الليبرالية، وكأن نصف أعضائه ومسؤوليه من المسيحيين أوالسُنة، أليس هو المسؤول عن مصائبنا؟ أنّ المصيبة منا وفينا.