كتب بيار عطاالله في "النهار":
لم يفاجأ قياديو الاحزاب المسيحية المنضوية في تحالف 14 آذار بكلام النائب ميشال عون أخيراً عن الانماء في المتن ودعواته المتكررة للنزول الى مجلس النواب من أجل الموافقة على اقرار مشروع قانون "اللقاء الارثوذكسي". وكذلك لم تكن المفاجأة كبيرة عندما أخذ عون يتحدى من على منبره الاسبوعي في الرابية مسيحيي 14 آذار، مسقطاً عليهم نعوت التبعية للآخرين وتحديداً لـ"تيار المستقبل وراعيه الاقليمي".
الأمور واضحة لدى مسيحيي 14 آذار، أقله لدى الحزبيين منهم في الكتائب و"القوات"، فالعماد عون يريد بحسب هؤلاء تكرار مناورة 2005 الانتخابية التي نفذها بنجاح وفاعلية، في مواجهة بعض سياسيي 14 آذار المسيحيين الذين اوقعوا انفسهم في مكيدة قانون الانتخاب الذي نصب لهم، وكاد عون لولا احابيل التحالف الرباعي والتركيبات التي خلص اليها ان يجتاح كل ما تبقى من مقاعد نيابية مسيحية في كل انحاء لبنان.
وعلى نقيض الاحصاءات واستطلاعات الرأي الموجهة، ثمة عوامل عدة تصب في مصلحة اعادة العماد عون كرة الفوز في 2005، ما لم يتدارك منافسوه الأمر، مع الأخذ في الاعتبار جملة نقاط تتجمع لاعادة كرة هذه "المعادلة الانتخابية المميتة"، وخصوصاً ان عون متمكن من عملية التعامل مع الرأي العام وصناعته ووضع خصومه في دائرة الاستهداف والموقع الدفاعي، دون ان يتمكنوا منه كثيراً، بدليل استطلاعات الرأي التي لا تزال تعطي الرجل موقعاً متقدماً على الآخرين وفي مناطق حساسة لا يرقى الشك الى "صفائها الديني والمذهبي". واول هذه العوامل، بل أهمها على الاطلاق، تطورات الوضع في سوريا لجهة تقدم المعارضة وتراجع حظوظ النظام في البقاء والاستمرار.
والصحيح في هذا الاطار ان عون ومسيحيي 8 آذار والاحزاب والقوى المتحالفة مع النظام السوري يجهدون لتقديم صورة بائسة وسلبية لمصير سوريا والاقليات المسيحية بعد انهيار نظام الاسد من خلال "تضخيم حجم الاسلاميين السلفيين والجهاديين في الثورة"، وتالياً استثارة التأييد لطروحات مسيحيي 8 آذار والفوز بأصوات قسم لا بأس به من المسيحيين القلقين الذين يترصدون اخبار سوريا ويتابعونها ويخشون امساك المتطرفين بالوضع السوري وتكرار تجربة العراق في تهجير المسيحيين والتنكيل بهم. وهذه المسألة لا يمكن الاستهانة بآثارها على الوجدان المسيحي وتحريض الرأي العام المسيحي وتأليبه على مسيحيي 14 آذار، وخصوصاً ان قوى الثورة السورية لم تكلف نفسها عناء العمل على توضيح اشكاليات انخراط القوى الجهادية في الثورة. كما لم تكلف القوى المؤيدة للثورة في تحالف 14 آذار نفسها عناء توضيح موقفها من مستقبل المسيحيين في حال سيطرة السلفية الجهادية.
عامل آخر يجهد العماد عون بوضوح للدفع به الى واجهة الصراع على اصوات المسيحيين، ويتمثل في التركيز على مشروع "اللقاء الارثوذكسي"، فمسألة ان تنتخب كل طائفة نوابها تدغدغ مشاعر قسم كبير من المسيحيين والاقليات اللبنانية التي ترى في الطروحات المماثلة للمشروع الارثوذكسي مخرجاً لها من هيمنة الاكثريات ومصادرة المقاعد النيابية المسيحية لمصلحة هذه الطائفة او تلك. ومع الاخذ في الاعتبار موافقة جميع الاطراف المسيحيين على المشروع الارثوذكسي ثم سكوتهم عن خوض غماره لأسباب كثيرة مراعاة للتحالفات، تبدو عودة عون الى المشروع وتبنيه له في مجلس النواب الى جانب مشروع النسبية الذي اقرته الحكومة وسقط في غياهب النسيان، من باب الادانة للاطراف المسيحيين الآخرين وجرّهم الى موقع المتهم بالتفريط بحقوق المسيحيين في ما يشبه مسار 2005 تماماً. والاكيد في هذا الاطار، ان كلا الحزبين المسيحيين في 14 آذار، "القوات" والكتائب، يوافق على المشروع الارثوذكسي ضمناً، وما الموقف الذي اعلنته اوساط الكتائب في تأييدها تلبية دعوة رئيس مجلس النواب الى عقد جلسة نيابية لأقرار مشروع "اللقاء الارثوذكسي"،الا جزء اساسي من المواجهة المستمرة لكسب ود الرأي العام المسيحي. وبهذا المعنى يصبح تردد "القوات" واعتمادها قانون الدوائر الصغيرة سبباً او ذريعة تفسح المجال واسعاً امام عون للمزايدات في موضوع "حقوق المسيحيين".
والعامل الانمائي الثالث يتمثل في حجم الانفاق الحكومي والاعتمادات التي يفاخر "التيار الوطني" بالحصول عليها للمناطق، وعلى لائحة الاعمال التي نفذتها وزارة الاشغال مثلاً والتي يرأسها وزير اشتراكي مئات المليارات من الليرات من الطرق في كسروان والمتن وجبيل. اما في الوزارات الاخرى التي يتولاها وزراء عونيون، فحجم الانفاق الخدماتي يحتسب بالمبالغ الطائلة ان لجهة التوظيفات او المشاريع وسواها.
معركة صعبة بين 14 آذار وعون وليس صحيحاً ان انقلاب الوضع في سوريا سيحسم الاتجاهات سلفاً على الأقل مسيحياً.