كتبت كلوديت سركيس في صحيفة "النهار":
يقل وزير العدل شكيب قرطباوي في اطلالاته الاعلامية "لأن عمل القضاء عمل صامت، وأنا أفضّل العمل على الكلام". ويستطرد "لاحظتم المحاولات الدائمة لزج السياسة في الامور القضائية ومحاولة استغلال الملفات القضائية لاغراض سياسية، مما يدفعني اكثر الى الابتعاد عن الظهور والاكتفاء بالضروري منه". وفي موضوع التشكيلات كشف ان مجلس القضاء الاعلى وعده باجراء تشكيلات شاملة في اقرب وقت. تحدث قرطباوي الى "النهار" عن شؤون القضاء وشجونه.
هل تعتقد ان التشكيلات الشاملة التي تكلمت عنها مراراً ستقرّ ومتى؟"
– ان مجلس القضاء هو الذي يجري التشكيلات، ولوزير العدل الحق في ابداء ملاحظات عليها، فاذا اصر مجلس القضاء الاعلى على رأيه باكثرية سبعة اصوات من عشرة، فيكون رأيه الراجح. واقول بكل صراحة انني انتظر الانتهاء من التشكيلات والمناقلات في أقرب وقت ممكن. ولا اذيع سراً بقولي انني أخذت وعداً من مجلس القضاء باجراء تشكيلات شاملة في اقرب وقت. وكوني صاحب الحق قانوناً في إبداء الرأي في مشروع التشكيلات الذي يضعه مجلس القضاء ، ابلغته ان ملاحظاتي التشكيلات سترتكز الى معايير هي: مدى اخذ الكفاية والجدارة والانتاجية في الاعتبار، خصوصاً في ضوء الاحصاءات التي اجرتها وزارة العدل بالاتفاق مع مجلس القضاء، ومدى مراعاة مضمون تقارير التفتيش القضائي واحكام المجلس التأديبي، ومدى اعتماد سني الخبرة التي يتمتع بها كل قاض، علماً انني لا آخذ في الاعتبار في هذا الاطار الدرجتين الاستثنائيتين الممنوحتين بموجب قانون سلسلة الرتب والرواتب للقضاة في صيف 2011 لانهما درجتان ماليتان ولا علاقة لهما بسني الخبرة، واحترام مبدأ اجراء المداورة بين القضاة، وعدم ابقاء قضاة اعواماً طويلة في مناصبهم بحيث تنشأ فعلياً ما يمكن تسميته بمراكز قوى في بعض الاحيان، واحترام مبدأ تولي قضاة من درجة مرتفعة نسبياً، أي من ذوي الخبرة، بعض المراكز الحساسة، ولعل اهمها قضاء العجلة، ورئاسة دوائر التنفيذ، والمحامون العامون، وقضاة التحقيق، والقضاة العقاريون ضمن قواعد المناصفة ومراعاتها، واخيراً عدم القبول بـ"تطويب" اي محكمة لاي طائفة، بل ايلاؤها لقاض وفقاً لاختصاصه.
هل سيتوافر لمجلس القضاء الجو المؤاتي لوضع تشكيلات بهذه المعايير؟ وماذا عن التدخلات السياسية والابعاد الطائفية والمذهبية؟
– صراحة السؤال تستلزم صراحة الجواب. فليأخذ مجلس القضاء بالمعايير التي ذكرت والمعايير الاخرى التي يضعها هو ويعتبرها أساسية لاجراء التشكيلات، ويتحمل مسؤولياته، وانا اقف الى جانبه. ومن موقعي، ادعو القضاة وفي مقدمهم مجلس القضاء ومكتب مجلس شورى الدولة وهيئة التفتيش، الى أن يكونوا يداً واحدة في سبيل اعلاء شأن القضاء فعلاً لا قولاً، وأن يبتعدوا عن اللغة والتعابير الخشبية التي لا تقنع أحداً، ويمارسوا استقلاليتهم فعلاً لا قولاً. والى مجلس القضاء اتوجه قائلاً: ضعوا التشكيلات وفقاً لمعايير جيدة وموضوعية، وأنتم الرابحون في النهاية، والوطن يربح معكم وبكم.
هل ثمة ضغوط تمارس عليك؟ وما مدى مقاومتك لها؟
– الذين يعرفونني يعرفون انني هادئ ومنفتح على الحوار واحترم الرأي الآخر، لكنني عندما اقتنع بموقف أصرّ عليه، ولا اضع توقيعي على اي شيء لا اقتنع به مهما تكن الضغوط والظروف.
التدخلات في عمل القضاء
دعوت في تصريحات السياسيين والاعلام الى عدم الخوض في تفاصيل الملفات القضائية.هل تبعا لما يقتضيه القانون ام ماذا؟
– لان التحقيق في أي قضية جزائية يجب ان يبقى سرياً حتى صدور القرار الظني، وكل افشاء له معاقب عليه في المادة 53 من قانون اصول المحاكمات الجزائية، باعتبار أن الافشاء قد يلحق الضرر بالتحقيق. فضلاً عن ذلك فإن ما نلاحظه في الفترة الاخيرة ان بعض السياسيين وبعض الاعلاميين يتناولون الملفات القضائية المرتبطة بالاحداث السياسية، فتراهم كأنهم يحققون فيها ويصدرون الاحكام ويضعون العقوبة ولا يبقى للقاضي الا ان يضع توقيعه على ما قرروه. وفي كل ذلك مخالفة للاصول وللقوانين وضغوط معنوية غير مقبولة على القضاة، تلحق الضرر بالقضاء وبلبنان. ولو نظرنا الى أي بلد يحترم نفسه لما وجدنا أثرا لمثل هذه الممارسات الضارة. وليتذكر السياسيون ان السياسة دولاب، يوم لكم ويوم عليكم. فقط القاضي المستقل النزيه هو الضمان للجميع في الظروف كافة، ومهما تبدلت الاوضاع السياسية.
يقال انك تعارض في مجلس الوزراء اعطاء تراخيص لكليات جديدة في جامعات قائمة او تراخيص لجامعات جديدة، فما صحة ذلك؟
– صحيح. بدأ هذا الموضوع يشغل بالي منذ عامي 1995 و1996. فقد لاحظت آنذاك، وكنت نقيباً للمحامين، ان الجامعات تزداد بكثرة، ولم تكن كلها من مستوى اكاديمي مقبول. فتم التنسيق بيني وبين نقباء المهن الحرة في حينه (محاماة، طب، طب اسنان، هندسة، صيدلة) وقمنا بالعمل مع الحكومة على اتخاذ اجراءات تربوية لرفع المستوى العلمي للمنتسبين الى هذه النقابات. وجرى الاتفاق في حينه مع وزير الثقافة والتعليم العالي ميشال اده، فأصدر مجلس الوزراء بناء على اقتراحه المراسيم رقم 9275 و9276 و9277 تاريخ 5 تشرين الاول 1996 التي فرضت على الطلاب الراغبين في دخول الجامعات لمتابعة أي من هذه الاختصاصات الخضوع لامتحان جدارة في بعض المواد، التي تختلف وفقاً لاختلاف الاختصاص، وان ينال الطالب على الاقل 20/12 في هذا الامتحان ، اسوة بما يحصل في الكثير من البلدان المتقدمة لا بل حتى في بعض البلدان النامية، الا ان بعض الضغوط التي مورست في حينه، حملت مجلس الوزراء، ودون سابق انذار، على الغاء جميع هذه المراسيم بموجب مرسوم جديد حمل الرقم 10434 تاريخ 1997/6/14. وبذلك كان مجلس الوزراء يقول عملياً ان المستوى العلمي المميز لخريجي الجامعات أمر غير أساسي. وفي رأيي ان هذا من اخطر المراسيم التي اتخذها مجلس الوزراء في اطار التعليم الجامعي. ثم بدأ مجلس الوزراء باصدار سلسلة قرارات تقضي بإنشاء كليات وجامعات جديدة، ولا يزال الامر مستمراً.
ومرت الايام واستمررت كمواطن اشعر بالنمط نفسه يسيطر على الموضوع، والى مزيد من الجامعات والكليات. وكنت ارى خلال وجودي في نقابة المحامين في بيروت، ومن خلال الاختبار الخطي للمجازين في الحقوق الذي تجريه النقابة، ان المستوى العلمي لكثير من المتقدمين يتدنى. وكنت اتساءل دائما عن كيفية تمكن الطالب في غياب المستوى العلمي العالي، من العمل بعد تخرجه الجامعي في سوق اختصاصه. كما كنت اسأل نفسي كيف سيبقى اللبناني متميزا في الدول العربية والغربية وسواهما، ان لم يكن يتمتع بالنوعية العلمية المتفوقة؟ لا يجوز ان نبقى نعيش على امجادنا السابقة في هذا المضمار. انا لا اضع اللوم على جهة معينة، انما حاولت من خلال موقفي في مجلس الوزراء ان ادق ناقوس الخطر قائلاً: دعونا نساعد وزير التربية في عمله على رفع المستوى العلمي، ولنتوقف عن اعطاء اي ترخيص لاي جامعة او لاي كلية حتى صدور القوانين والتنظيمات الجديدة التي يعدها. فالمستوى العلمي خط احمر.
انطلاقاً من هذه المعطيات التي أثرتها في مجلس الوزراء، جرى نقاش جدي، وخصوصاً أن هذه المسألة تنتفي فيها الطائفية والمذهبية والسياسة، اذ ان المقصود دعوة الجميع لمساعدة وزير التربية من اجل ان نصل الى ما نصبو اليه جميعاً من تحسين المستوى الجامعي.
بصفتك وزيرا للعدل تثير موضوعاً ليس من اختصاصك المباشر.
– انطلقت من مسؤوليتي، وزيراً وأباً ومواطناً. فأنا بهذه الصفات مجتمعة أعرف مدى اهمية الموضوع بالنسبة الى اللبنانيين، لذا أثرته.
ويحصي في مجال تدني المستوى العلمي "الاختبارات التي تجريها النقابة لقبول المجازين في الحقوق، كمحامين متدرجين. وطرحت في مجلس الوزراء الارقام التي أعرفها في هذا المجال، وانا متأكد ان الوضع في المهن الاخرى ليس في حالة افضل. ففي نقابة محامي بيروت مثلاً، بيّنت نتائج اختبار للقيد في جدول المتدرجين جرى عام 2010 ان 87 مرشحا فازوا من اصل 334. وفي العام التالي فاز 75 من 453 مجازاً. وفي آخر اختبار أجري في نقابة محامي طرابلس، فاز اربعة مجازين من 243. وفي معهد الدروس القضائية فاز مرشحان من 450 في دورة 2012، اضافة الى اربعة من حملة الدكتوراه. الا تحملنا هذه الارقام على التفكير ملياً وعلى ان نعد الى العشرة كما يقال في لغتنا العامية ؟ من هنا دعوتي الى التفكير بعمق في ما يبدو من تدن للمستوى العلمي، نحن جميعاً مسؤولون عنه. وانني من خلال جريدتكم ادعو الى اعادة اقرار مشروع اختبار الجدارة الذي كان قد اقرّ سنة 1996 والغي سنة 1997, او وضع اي معايير مشابهة. كذلك ادعو الى وقف اعطاء اي ترخيص جديد لاي جامعة او لاي كلية في انتظار صدور التنظيمات والقوانين الجديدة التي أعدّها ويعدّها وزير التربية لترعى الوضع الجامعي، ولعل من اهمها مشروع قانون ضمان الجودة. وادعو الطلاب والاهل، والمدارس والجامعات وأساتذتها، كما ادعو الحكومة وجميع المسؤولين السياسيين والتربويين في البلد الى وقفة تأمل. فلبنان يجب ان يبقى بلداً متميزاً بمستوى شبابه العلمي، وإلا يكون قد فقد ميزته الأساسية. وهذه الثروة العلمية اكبر واضمن بكثير من أي ثروة مادية من اي نوع.