لا تخرج "مذكرات التوقيف" السورية بحق الرئيس سعد الحريري والنائب عقاب صقر، ومعهما هذه المرة المتحدث الاعلامي السوري بلسان "الجيش السوري الحر" لؤي المقداد، عن منطق (في الواقع، لا منطق) تعامل النظام في دمشق مع لبنان منذ أن طرح رئيس هذا النظام السابق حافظ الأسد مقولة "شعب واحد في دولتين". ولأن اللبنانيين، من زاوية بحت قومية، نظروا الى المقولة باعتبارها تجسيدا لروابط بين البلدين والشعبين، تاريخية وجغرافية وعائلية وحتى مصلحية، فانهم صمتوا عليها ورأوا فيها عونا لهم في محاولة حل مشكلاتهم المتعددة في الفترة السابقة. لكن النظام السوري، كما أثبتت أحداث زمن الوصاية، كان يعمل باسمها ومن خلالها على استتباع لبنان بصورة كاملة، ليس سياسيا وأمنيا فقط وانما اقتصاديا وماليا وحتى اجتماعيا كذلك. ولم يكن تسلله الى دواخل الطوائف والمذاهب والمناطق والتشكيلات السياسية والحزبية، وعمله الدائم على خلق أتباع له في كل منها فضلاً عن توسيع شق الخلاف بينها، الا التجسيد الجلي لسياسة الاستتباع هذه.
وبعد انتهاء زمن الوصاية وخروج قوات هذا النظام من لبنان العام 2005، ثم في فترة لاحقة بعد انطلاق الثورة الشعبية ضده العام 2011، فقد تصرف مع لبنان من الزاوية اياها: انه يشكل الحديقة الخلفية للنظام وليس لسوريا الدولة والشعب، وأساسا وقبل كل شيء لحربه هو من أجل البقاء وضد شعبه، أيا كانت آراء هذا الشعب وطموحاته في الحرية والديموقراطية والكرامة الانسانية.
و"فضائل" هذا النظام على لبنان في الشهور الـ20 الماضية، بما فيها "فضيلته" الكبرى المتمثلة في مؤامرة علي المملوك/ميشال سماحة التي أمكن كشفها من قبل اللواء الشهيد وسام الحسن، وبالتالي احباط ما هدفت اليه من توريط لبنان في حرب أهلية، كانت أبلغ الأدلة على هذه الحقيقة.
لكن "مذكرات التوقيف"، مع ذلك، تشي بجملة حقائق أخرى يقتضي القاء الضوء عليها:
أولاً، ان نظام بشار الأسد فقد كما يبدو الحد الأدنى من العقل السياسي في كيفية التعاطي مع دول العالم، ومع لبنان هذه المرة بالذات، فلم ينتظر(حفظا لكرامته على الأقل!) أن يمر يوم واحد على اصدار مذكرات استدعاء لبنانية للمملوك والعقيد عدنان والمستشارة الرئاسية بثينة شعبان في مؤامرة المملوك/سماحة، بل سارع الى اصدار مذكراته بحق الحريري وصقر والمقداد في اليوم ذاته من دون أي خجل أو حتى حرج مفترض في مثل هذه الحالة. والأدعى للاستغراب أن القوى السياسية والاعلامية المحسوبة عليه في لبنان، فضلا عن سوريا نفسها، لم تجد حرجا في أن تربط بين الأمرين بصورة مباشرة، بل وأن تقول بوقاحة ان امكان تنفيذ أي منها يتوقف على تنفيذ الأخرى.
ثانياً، لم يخطر في بال النظام أن ادعاءه مساءلة سعد الحريري وعقاب صقر، فضلا عن لؤي المقداد، عن تسليح الثوار السوريين عبر الحدود التركية، يستدعي السؤال الأهم في مثل هذه الحال: لماذا لم يصدر اذاً مذكرة توقيف أخرى بحق رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الذي يفترض أن يكون على علم بهذا الأمر ما دامت الأسلحة تدخل الى سوريا عبر حدود بلاده معها؟.
وبالنسبة للمقداد تحديدا، وهو سوري تقتصر علاقته بالثورة على صلاته بالاعلام العربي والدولي، لماذا لم يصدر قضاء هذا النظام مذكرة توقيف مثلا بحق قائد جيش سوريا الحر العقيد رياض الأسعد أو بغيره من الضباط الذين انشقوا عن جيش النظام ويعلنون ليل نهار أنهم لن يلقوا السلاح الذي يملكونه الا بعد اسقاط النظام وتحرير سوريا من شبيحته السياسيين والعسكريين على حد سواء؟.
وبعد ذلك كله، واذا كان تسليح الثوار السوريين أو تمويلهم لشراء هذا السلاح جريمة يعاقب عليها القانون في سوريا ، لماذا لم تصدر كذلك مذكرات توقيف أخرى ضد وزراء الخارجية العرب الذين طالبوا علناً ورسمياً في مؤتمرات أصدقاء الشعب السوري كما في غيرها، بتسليح هؤلاء الثوار دفاعا عن أنفسهم من جهة ولمساعدتهم على اسقاط النظام الذي يقتل شعبه ويقتلهم ويدمر مدنهم وقراهم بالدبابات والطائرات وراجمات الصواريخ من جهة ثانية؟.
ثالثاً، ان هذا النظام نسي (أو لعله تناسى؟!) أنه كان قد أصدر مذكرات توقيف بحق ثلاثة وثلاثين مسؤولا ونائبا لبنانيا في وقت سابق، وأن بعض هؤلاء (النائب وليد جنبلاط واللواء وسام الحسن على سبيل المثال لا الحصر) دخل سوريا وخرج منها مرات عدة بعد ذلك من دون اعتقالهم ولا حتى تذكيرهم بالمذكرات، وأن القضية بالنسبة للبنانيين، كما بالنسبة للسوريين أنفسهم، قضية سياسية يستخدمها النظام عند الحاجة ومتى يشاء كما يتجاهلها للهدف ذاته أيضا.
رابعاً، ان النظام ربما لم يدرك بعد أن منظمة "الانتربول" التي أودعها كما قال مذكرات التوقيف الجديدة لم تعد تتعامل معه، أو حتى تعترف به، بعد أن اعترفت غالبية دول العالم بـ"الائتلاف الوطني للمعارضة والثورة في سوريا" ممثلا شرعيا وحيدا للشعب السوري، وتاليا أن مصير المذكرات سيكون سلة المهملات لا أكثر ولا أقل.
خامساً، ان اللعبة كلها باتت مكشوفة من كثرة ما جرى اللجوء اليها من ناحية، وأن اللبنانيين أنفسهم ملوا منها ولم يعودوا يلوون عليها أو يهتمون بها من ناحية ثانية، بغض النظر عن مدى صدقيتها وحتى عن هوية الذين تستهدفهم.
ماذا بعد؟!.
من عجب أن بعض اللبنانيين، وبعض أهل الحكم بشكل خاص، ما زالوا يقدمون لنظام بشار الأسد هذا ما يجعله يستمر في تجاهل الوقائع الدامغة على الأرض… وتحديدا في مواصلة الهذيان خارج هذه الوقائع.