كتبت كلوديت سركيس في "النهار":
من يتذكر القُصّر المنحرفين في ضجيج الحياة اليومية؟ يقاربهم القانون باعتبارهم "على خلاف معه ويحتاجون الى حماية" وفق تسميته، تلافيا للقول ان هذا القاصر لص او ذاك نشال او يتعاطى مخدرات ويروج لها، سواء كان في مقر التوقيف او في مركز حماية الاحداث، او يخضع لتدبير المراقبة في منزله.
يرعى القاصر المنحرف اتحاد حماية الاحداث في مكاتبه في بيروت والمحافظات. وتتولى مسؤولية مكتب بيروت الاختصاصية بالعمل الاجتماعي جانين قاصوف. والاتحاد اقدم مؤسسة في العمل الاجتماعي في لبنان تأسس عام 1936. تقول لـ"النهار" ان الرئيس ألفرد نقاش اطلقه مع الارسالية الفرنسية قبل الاعلان العالمي لحقوق الانسان وحقوق الطفل. ويعنى بمشكلات القصر الذين يتعرضون للملاحقة امام القانون او المعرضين لسوء معاملة او اعتداء وتعنيف واهمال، وكذلك القصر الموقوفين او المحكومين في مبنى سجن الاحداث في رومية او اصلاحية الاحداث في الفنار التابعة لمؤسسة حماية الاحداث اليتيمة مع مراكز للآحاد في المحافظات".
وتضيف قاصوف: "تحرك مندوبة الاحداث يبدأ عند توقيف القاصر لدى الضابطة العدلية، اذ يشترط القانون عدم الشروع في التحقيق معه الا في حضورها وبعد وضع القاصر في علة وجوده في المخفر. نستمع اليه في المخفر بحثا عن اسباب ما اقترفه ونضع بحثاً اجتماعيا عن هويته وعائلته وظروفه الاجتماعية وصحته. ونرافقه في جميع مراحل التحقيق حتى صدور الحكم. كما نفسر له ماهية حقوقه فنخفف تشنجه وتوتره ليتجاوب مع المحقق ويقول الحقيقة مهما بلغت صعوبتها، مع الحرص على ان يخضع للتحقيق في جو مؤات وغرفة مستقلة تجنبا لسماعه اي اصوات غير مألوفة".
ترفع مندوبة الاحداث تقريرها الى النيابة العامة عن الحدث، وهو "يتضمن رأينا بترك القاصر رهن التحقيق او بسند اقامة من القضاء او تعهد من ذويه لمتابعته والاهتمام به. وتأخذ النيابة العامة برأينا احيانا. وفي الوقت ذاته نظل على اتصال بأهله. وباحالته على القضاء يطلع قاضي التحقيق على محيط الموقوف القاصر ونحن نؤثر ان يكون مقر التوقيف الاصلاحية وليس السجن، غير ان الاصلاحية غير قادرة على استيعاب جميع الاحداث الموقوفين، لذا نختار منهم الاصغر سنا ومن غير اصحاب السوابق او الملاحقين بقضايا ارهابية او سواها من الجنايات الخطرة".
وكما يثار من اعتراضات على امكنة القصر غير المؤاتية تقول "ان مراكز الدولة غير مؤهلة لفصل القاصر عن الراشد في المخافر والمفارز حيث لا تكون الا نظارة واحدة يحال القاصر عليها حكما عند احتجازه. ويتركز مسعانا على عدم ابقائه فيها وقتا طويلا وتسريع التحقيق الاولي معه ثم الاستنطاقي امام القضاء وصولا الى المحكمة. النظارات في قصور العدل واسعة نسبيا ومفصولة الى شطرين لكنهما متقابلان على ان القاصر يبقى فيها لوقت قصير ريثما يستجوب من قاضي التحقيق. القصر المنحرفون يحتاجون الى التفاتة واحتضان اكثر، والمشكلة الاكبر تكمن في سجن رومية حيث يقوم مبنى خاص للاحداث لكن الوصول اليه يستلزم المرور في اماكن الراشدين. وكذلك الاختلاط معهم في الملعب. كما ان عدد القصر كبير في المبنى، وعمل المؤسسات الاجتماعية في السجن ينتهي عند الثالثة بعد الظهر، طبقا لنظام السجون، فتنتفي رقابة القيمين اجتماعيا حتى الثامنة صباحا، ويفرد شاويش راشد لكل زنزانة في مبنى القصّر. والشاويش يكون موقوفا او محكوما.
وتعتبر قاصوف ان وضع القاصرات افضل ويوفر لهن "مركز المبادرة" قرب مستشفى ضهر الباشق والرعاية اللازمة وعددهن ضئيل جدا.
ينقل الحدث غير المرتكب جريمة خطرة الى الاصلاحية بموجب تدبير في حقه. ومقرها الفنار وتستوعب 40 مخالفا. يتولى الاتحاد ايجار المركز ومصاريف اخرى. تموله وزارة العدل بمساعدة وزارة الداخلية. وتشكو قاصوف من "نقص في التمويل لرعاية كل الموجودين في الاصلاحية"، متمنية على الدولة من خلال الوزارتين "احداث مبنى جديد للاصلاحية ليستوعب قُصّرا سجناء في روميه، فحرام ان يبقوا حيث هم الآن. ويجب نقلهم الى الاصلاحية نظرا الى ان ارتكاباتهم قابلة للعلاج. وثمة مشكلة اخرى يواجهها الاولاد الملاحقون بقضايا مخدرات، فعدد المراكز المعالجة قليل والتكلفة تحضيرا للعلاج تفوق المقدرة، عدا الآلية الصعبة المطلوبة لادخال الولد المصحات، وبعض المستشفيات لا يلبي اجراء الفحوص المتوجبة لادخاله اليها. وعدد هؤلاء ملحوظ وفق حضوري جلسات محاكمتهم، وهم لبنانيون وأجانب".
لا تعتقد مسؤولة مكتب الاتحاد في بيروت من خلال خبرتها في مجال حماية الاحداث مدى 14 عاما ان الفقر هو السبب الوحيد في انحراف القاصر، "انما العائلة التي ينتمي اليها القاصر". وترى في "الدواعي المؤثرة عدد افراد العائلة الكبيرة، وطلاق الوالدين، وتعدد الزوجات حيث يصبح الولد رقما داخل عائلته، وعدم تخصيص الاهل الوقت الكافي للتحادث مع اولادهم وخصوصا العاملين منهم. وثمة مفهوم لدى عائلات غير لبنانية بعدم ضرورة ارسال اولادها الى المدرسة، وفي حال اقتنع البعض الآخر يتردد الابن الى المدرسة حتى صفوف الابتدائية لينخرط بعد ذلك في العمل مع والده او تبقى الفتاة في المنزل تنتظر العريس. ثم توارث الامية امر في غاية الغرابة في ايامنا، تقول: ثمة حالات معيوشة نعمل عليها حاليا مع اولاد لبنانيين واجانب لا يلمون بالكتابة والقراءة وقصر يقولون: والدي أمّي مثل جدّه وجدّ جدّه.
يواجه القاصر المحكوم "تدابير مانعة للحرية بمعنى البقاء في سجن روميه لمواجهة عقوبة التأديب. وهي تتخطى عقوبة الاصلاح اذ يحتاج المنحرف الى كثير من الرقابة والمتابعة والنظام".
النص يوجب وجود مركز تأديب في لبنان الا ان المسؤولين عن هذه الناحية يخالفون القانون بتغييب هذا المركز "وينفذ القاصر "المخالفة" في لغة القانون في سجن روميه او يودع الاصلاحية. وكذلك "تدابير غير مانعة للحرية" اي يطلق القاصر ويبقى تحت رقابة المندوبة الاجتماعية باستبدال التدبير الرادع للحرية. وذلك بعد فترة من متابعة سلوكه خلال التوقيف يكون خلالها تابع دورة مهنية تخوله العمل او استلحاق دراسته فيحظى بالحرية المراقبة وينام في منزله، حيث تستمر مراقبته من الاهل والمندوبة والمدرسة الى ان ينهي تدبير الرقابة الاجتماعية. وفي حالات نجري عقدا مع القاصر، فنختار له مؤسسة يعمل فيها ونحدد له ساعات العمل فيكون فردا منتجا. ومن هذه المؤسسات الدفاع المدني او مراكز العجزة والمعوقين والشؤون الاجتماعية. نختار له المركز قريب من نوعية الجرم الذي اقترفه. كأن يوضع في مؤسسة تعني بحوادث السيارات تبعا لارتكابه حادث سير او في المشروع الاخضر ليغرس اشجارا لانه كان يقتلعها، او يعاني الوحدة وعدم احتضانه من عائلته الكبيرة عنه. واظهر تجاوبا وتعاونا في دار العجزة مع المتقدمين في السن. استمعوا اليه واستمع الى اخبارهم وما اختبروه من الحياة".