وضع الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله اللبنانيين أمام خيارين: إما انتخابات استناداً لقانون الستين أو عدم إجراء الانتخابات، بعدما كان في السابق يحدّد المسار الذي على اللبنانيين اتباعه أو "الله معهن"، لكنه في خطابه أمس لم يقل لهم ذلك بل قال إن عليهم الاختيار بين أمرين وكلاهما سيىء، وهو فعلياً يملي عليهم بذلك مرة جديدة إرادته: إما قانون جديد للانتخابات يلبي مصالحه أو لا انتخابات.
مع توافق معظم اللبنانيين على رفض قانون الستين، هل جاء كلام نصر الله ليكون بمثابة إعلان نعي إجراء الانتخابات النيابية في موعدها الدستوري المقرر في حزيران المقبل؟
تشير المعطيات المتوفرة إلى أن "حزب الله" وحلفاءه وبخاصة التيار العوني الذي لا ترسم له نتائج استطلاعات الرأي التي يجريها دورياً صورة وردية، يرغبون في تأجيل الانتخابات النيابية لفترة من الزمن تتيح لهم إبعاد حمى السقوط المتوقع لنظام الرئيس السوري بشار الأسد عن العملية الانتخابية، وأن يبعدوا تأثيرها قدر الإمكان عن مزاج الناخب اللبناني. كما أنهم لا يريدون أن تكون لنتائج هذه الانتخابات تداعيات سلبية تؤثر عليهم، بل يريدون من خلال صناديق الاقتراع استعادة المبادرة بعد السقوط الوشيك للنظام السوري، أو على الأقل الوصول بمدة المجلس النيابي الحالي إلى نهايتها من دون إجراء الانتخابات، فعندها تستمر حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بفعل الأمر الواقع وهذا ما يضع البلاد أمام أزمة حقيقة تنذر بانفجار الوضع برمته.
لم يستطع "حزب الله" في انتخابات العام 2005 وبعدها في انتخابات العام 2009 من تحقيق ما يصبو إليه، وهو غالبية نيابية تسمح له تشكيل حكومة من لون واحد يتمكّن من خلالها التحكّم بمصائر البلاد والعباد، وهو يستمر في محاولات الحصول على الغالبية النيابية بعد الانقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري ووصول ميقاتي إلى رئاسة حكومة تنفّذ له مشاريعه وتسهّل له أعماله، وتغطي هدر وفساد وزراء حليفه تيار "الإصلاح والتغيير".
لقد انفتحت قوى فريق "14 آذار" على فريق "8 آذار" كثيراً رغبة منها في العبور إلى بناء الدولة، لكن كل محاولاتها الانفتاحية وقبولها الدخول في منطق "التسويات المستحيلة" لم تحل دون استمرار عمليات الاغتيال التي طاولتها دون سواها منذ العام 2005، واعتمادها لغة الحوار واكتشافها عقمه لعدم تنفيذ مقرراته التي تم التوافق عليها.
ووفقاًَ لمصادر في "14 آذار" لم يؤد الحوار مع "حزب الله" إلى أي نتيجة، فقد تم التوافق على "المحكمة الدولية" خلال أقل من خمس دقائق في أولى جلسات الحوار، ولم يكن من انقلب عليها سوى "حزب الله" نفسه وهو يستمر في منع تسليم المتهمين الأربعة في محاولة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى العدالة الدولية.
وتضيف المصادر أنه تم التوافق على معالجة موضوع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات ولا يزال هذا السلاح لغاية اليوم يهدد أمن اللبنانيين بالقرب من مناطق تواجده، والبحث في إستراتيجية دفاعية يكون سلاح "حزب الله" البند الرئيس والأساس فيه، ولم يتحقق شيء على هذا المسار.
ووفقاً لهذه المصادر، اتفق المتحاورون في العام الحالي على ما عرف بـ"إعلان بعبدا" الذي يدعو في روحه ونصه إلى تحصين لبنان، وتحييده عن تداعيات الأزمات الدولية والإقليمية، لكن "حزب الله" ما فتئ يشيّع قتلاه الذين يسقطون أثناء "أداء واجبهم الجهادي" في سوريا، ويجاهر أمينه العام بنجاح تجربة طائرة "أيوب" التي تشكّل في الحد الأدنى استفزازاً للعدو الإسرائيلي لكي يوجه إلى لبنان واللبنانيين جميعاً ضربة موجعة لن يكون بالإمكان معالجة آثارها بسهولة.
ويعود السيد نصر الله ليدعو اللبنانيين اليوم إلى الحوار لمناقشة قانون الانتخابات بعدما اتهم فريق "14 آذار" بممارسة المقاطعة بهدف تعطيل مناقشة قانون الانتخابات العتيد، ويضعهم أمام خيار "إما قانون الستين أو لا انتخابات"، وهو بذلك يحاول أن يدفع اللبنانيين بعيداً عن القناعة الراسخة بوضوح لديهم، وهي أن الجهة الوحيدة القادرة على تعطيل أي شيء في هذا البلد، هي الجهة الممسكة بالسلاح غير الشرعي.
يأتي كلام السيد نصر الله في وقت أعلن فيه وزير الداخلية مروان شربل أن الدوائر المختصة في وزارته تعمل على التحضير لإجراء الانتخابات وفقاً للقانون المعمول به حالياً، وأن هذا "واجب دستوري وقانوني" ولا شيء سيمنع إجراء الانتخابات في موعدها إلا "حدث أمني خطير"، فهل "النصف الثاني من كلام" السيد نصر الله يقع في خانة ما لمّح إليه وزير الداخلية؟
رد "14 آذار" على دعوة السيد نصر الله للحوار حول قانون الانتخابات عبّر عنه عضو كتلة "القوات اللبنانية" النائب أنطوان زهرا الذي قال: "نحن مصرون على إجراء الانتخابات في موعدها بقانون الستين أو بقانون أفضل منه"، مشيراً إلى أنه على الرغم من مقاطعة قوى الرابع عشر من آذار للحكومة إلا أنها "بادرت إلى إعادة إحياء لجنة التواصل لدراسة قانون الانتخابات" في خطوة يأمل منها زهرا أن تصل إلى خواتيم سعيدة بالاتفاق على قانون انتخابات يمثّل طموحات كل اللبنانيين.
ويضيف "إن السيد نصر الله بتخييره اللبنانيين، يؤكد نيته على تعطيل الانتخابات، وإذا كان يعتبر أن عدم إجرائها سيىء، فليساعد على إقرار قانون جديد للانتخابات" في إشارة إلى أن الظروف الأمنية التي تقف عائقاً أمام تحرّك نواب "14 آذار" ونزولهم إلى مجلس النواب، يمكن تجاوزها من خلال القبول باقتراح اجتماع أعضاء اللجنة في منزل أحد نواب "14 آذار" وهو ما رفضه الرئيس بري ورئيس تكتل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون على السواء.
وبالنسبة لزهرا، "ليس في نية أو إمكان أي أحد العبث بالمواعيد الدستورية، والوحيد القادر على ذلك هو القادر على العبث بالأمن وهو فريق السيد نصر الله نفسه". فهل يأتي "الحدث الأمني الخطير" الذي ذكره الوزير شربل على غرار "7 أيار" ثانٍ وهو سيعني حكماً تأجيل الانتخابات؟
ليس في حسابات "حزب الله" العلنية على الأقل، أي نية للدخول في مواجهة أمنية داخلية، وهذا ما اثبتته "المناسبات" الكثيرة التي مرّت على لبنان والتي كانت لتفجّر الوضع الأمني لولا "حكمة العقلاء" الذين سارعوا لاستيعاب ما مر، ودخول الدولة طرفاً في الإمساك بالأمن "بالتراضي" ومسارعة فريق "وسطي" في إطلاق دعوات الحوار لتجنيب البلاد الفتنة.
لكن حسابات "الانتخابات المصيرية التي ستحدد ملامح لبنان المستقبل"، مختلفة عن كل الحسابات الأخرى بما فيها تلك الأمنية، إذ يعتقد عضو كتلة "المستقبل" النائب أحمد فتفت أن "حزب الله" لن يتوانى عن "تعطيل الانتخابات إذا لمس أن نتائجها لن تكون مؤاتية لطموحاته أو طموحات حليفه".
فقد دعا السيد نصر الله إلى "قانونٍ جديد للانتخاب وبعدها تتشكل حكومة وفق القوى التي تفرزها الانتخابات" ما يعني أنه يريد أن تأتي نتائج الانتخابات وفقاً لمصالحه التي تضمن له الأكثرية التي ستريحه أثناء تشكيل الحكومة المقبلة التي يأمل أن تكون على غرار الحكومة الحالية، أي خاتماً في أصبع يده لا تردّ له طلباً، والذي يخشاه هو أن تأتي هذه النتائج لصالح "14 آذار" عندها سيخرج من المُوْلد من دون حمص".
ويقول فتفت: "لسنا متمسكين بقانون الستين على الإطلاق، لكننا طالبنا بأن تأتي حكومة جديدة حيادية نثق بأنها ستحيل إلى المجلس النيابي مشروع قانون للانتخابات غير القانون الكيدي الذي أحالته حكومة ميقاتي، وأنها ستشرف بنزاهة على سير العملية الانتخابية المقبلة".
ويضيف: "يحاول السيد حسن استغباء الناس حين يتهمنا برفض الحوار، وجميع اللبنانيين يذكرون أنه بسبب ما سماه ملف شهود الزور، نسف السيد نصر الله وحلفاؤه الحوار في العام 2010. إن عدم التزامه بنتائج الحوار السابق نسف في الواقع أسس أي حوار ممكن، ولهذا السبب أعلنا مقاطعتنا للحوار وليس لأي سبب آخر، فلماذا نجلس معهم ونتفق ثم ينقلبون على الاتفاق من دون أن يرمش لهم جفن؟"
وأمام إصرار السيد نصر الله على أن نصف اللبنانيين يخطئون في حساباتهم واتهامهم بأنهم "تركيب سياسي يعتمد على الخارج" وأن حساباته وفريق "8 آذار" هي دائماً صحيحة، يقول فتفت: "هذا مزيد من الاستغباء للناس. أليس السيد نصر الله من جاهر مراراً وتكراراً بفخر انتمائه إلى جيش ولاية الفقيه؟ أليس ذلك اعتماداً على الخارج؟".
أثبتت قوى السيادة والاستقلال حسن نيتها وحرصها على مستقبل لبنان انطلاقاً من حرصها على أن قانون انتخابات عصري هو الباب الذي من خلاله تتأمن صحة التمثيل ويضع لبنان على طريق بناء مستقبل واعد، فتقدّمت خطوة إلى الأمام متجاوزة المخاطر الأمنية المحدقة بقياداتها ونوابها واجتمعت إلى الرئيس نبيه بري، لتعلن استعدادها للانخراط مجدداً في الحوار الذي يجري في إطار لجنة التواصل للاتفاق على قانون جديد للانتخاب، على اعتبار أن مقاطعتها للمجلس النيابي هو مقاطعة لكل النشاطات التي تشارك فيها حكومة ميقاتي، وليس مقاطعة برلمانية. لكن السيد نصر الله لم يلاقِ هذه اليد وأفشل محاولات إقرار قانون جديد للانتخاب يلبي أولاً طموحات اللبنانيين ولا يكون مبنياً على حسابات إضافة بعض المقاعد النيابية من هنا، أو أخرى من هناك تؤمن له أكثرية نيابية تتيح له التحكّم بالسلطة التنفيذية من خلال تشكيل حكومة "على خاطره"، وتفتح له المجال أمام إيصال حليفه إلى الكرسي الذي يحلم بالوصول إليها منذ العام 1989؟