#adsense

طرابلس ليست للسلفيّين… لكنها مرشّحة…

حجم الخط

أليس مثيراً أن يخرج أحد أبرز الميليشياويّين في باب التبانة، عبر الشاشة، ويعلن مباشرة: نحن من أنصار رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، ومنه نتلقّى الدعم… إنسانياً؟
الأمر يصبح أكثر إثارة عندما يقول ميقاتي نفسه، في اليوم عينه: لو لم يأخذ الجيش المبادرة في طرابلس، لقامت فيها إمارة لا ترتبط بالدولة!

في الترجمة، ووفقاً لأرفع مسؤول هو رئيس الحكومة، أن طرابلس تحوَّلت عملياً إلى إمارة إسلامية "مع وقف التنفيذ". فهل "أمراء" طرابلس الموعودون هم فقط السلفيّون المعروفون في المدينة، أم إن أنصار ميقاتي وسواه من قادتها السياسيين، التقليديين وغير التقليديين، سيضطرون إلى الانخراط في "الإمارة" ليحفظوا وجودهم ودورهم؟ وماذا سيفعل ميقاتي وسواه من سياسيّي المدينة في هذه الحال: هل سيواجهون الحال السلفية أم يسايرونها ليحافظوا على ولائها… وعلى زعاماتهم؟

وإذا كان كلام ميقاتي دقيقاً، فمعناه أن جزءاً مُهمّاً من الذين سيديرون انتخابات طرابلس بعد أشهر، أي الذين سيأتون بنوّابها، هم السلفيون. وهؤلاء ليسوا موجودين في عداد التنظيمات السلفية فحسب، بل هم أيضاً أنصار ميقاتي نفسه.

في لبنان كله يهتزُّ المزاج السنّي منذ أيار 2008. وفيما ينتعش دور القوى السلفية في صيدا وعين الحلوة، خصوصاً بعد حادثة التعمير، ويعلن الشيخ أحمد الأسير إنشاء تنظيم مسلّح يحمل لواء المقاومة "مع وقف التنفيذ"، تعيش طرابلس وطأة المواجهة السورية، بسبب موقعها الجغرافي. وفي المدينتَين خوف من الشرارة. وكما في صيدا "حي تعمير"، ففي طرابلس "جبل محسن". و"الإمارة" في طرابلس "مع وقف التنفيذ" تلاقيها "مقاومة" الأسير "مع وقف التنفيذ" في صيدا.

هذا هو الحجم الحقيقي الذي يوصِل إليه كلام ميقاتي على "الإمارة"، إذا كان هذا الكلام دقيقاً. وإلّا فإنّ ميقاتي "يبيع الثلج"، وفقاً لتعبير الرئيس فؤاد السنيورة.

الثلج ومبيعُه…

العارفون بطرابلس يقولون الآتي: المدينة معروفة بأنها تضمّ مجتمعاً إسلامياً محافظاً، لكن هذا المجتمع لم يغلق المدينة في أيّ يوم من تاريخها. وتميّزت طرابلس دائماً، كما صيدا، بانفتاح ديني واجتماعي وثقافي وسياسي واسع وجدير بالدراسة.

فقَبْل اليوم، لم يكن هناك سلفيّون في المدينة إلى هذا الحدّ. ولم يكن هناك دور سياسي أو اجتماعي أو أمني خاص ومستقلّ لهؤلاء السلفيّين، بل كانوا إجمالاً ينخرطون في دعم القوى السياسية القائمة في المدينة. بعضهم يناصر ميقاتي والآخر تيار "المستقبل" أو الوزير محمد الصفدي أو حتى الرئيس عمر كرامي. و"الجماعة الإسلامية" خاضت الانتخابات الأخيرة بالتنسيق مع فريق "14 آذار". و"السلفية" في معناها الحصري – أي الديني – أوجَدت لنفسها أطُراً للتعايش ضمن القوالب السياسية المختلفة.

لكنّ هذه "السلفية الواقعية" والسلمية تتغيّر. وفي موازاة ارتفاع الحَماوة المستوردة من سوريا، ترتفع الحرارة في طرابلس وسواها. فالمواجهة على خطوط التماس السورية هي التي تُشعل خط التماس بين باب التبانة وجبل محسن. وبروز "جبهة النصرة" والتنظيمات الإسلامية الرديفة في الوسط السنّي السوري يؤدي تلقائياً إلى نهوض الإسلام السلفي في طرابلس.

وإذا انتهت الأزمة في سوريا اليوم أو غداً – وهذا الأمر غير مرجّح – فإن طرابلس قادرة على استعادة اعتدالها وانفتاحها التاريخيَّين. أمّا إذا طال الصراع في سوريا إلى حدود غير معروفة، وإذا ما استمرّ الانغماس الميداني لبعض مقاتلي طرابلس ومقاتلي "حزب الله" في المعارك الجارية في الداخل السوري، فإنّ ذلك سيُنذر بذهاب "طرابلس وأخواتها"، و"بعلبك وأخواتها"، إلى العصبية المذهبية الخطرة. وسيكون صعباً على الجيش ضبط الأمور إلى ما لا نهاية، وستكون ولادة إمارة في طرابلس أو سواها من مستلزمات المعركة. وليس لأحد أن يُصاب بالصدمة أو يدّعي البراءة…

وما لم تصبح طرابلس مدينة منزوعة السلاح، ستصبح هواجس "الإمارة" في مكانها. وعندئذٍ، لا يعود ميقاتي "بيّاع ثلج" يذوب. فالموسم هو موسم ثلج يصعب ذوبانه في صقيع "إمارة طرابلس وسائر المشرق".

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل