لا يمكن وصف لقاء السفراء الأربعة المعتمدين في لبنان، إيران وسوريا وروسيا والصين، في منزل السفير الإيراني إلّا كونه مخالفاً للأعراف في مضمونه لا في شكله، وهنا مَكمن الخطورة بالذات.
الاعتراض ليس على اللقاء بحدّ ذاته، فبإمكان هذه المجموعة، التي تلتقي دوَلها على دعم الأنظمة الديكتاتورية ضد شعوبها، أن تتواصل بعثاتها لندب حظها ومعاينة أحوالها السيئة المتأتية من سوء إدارة بلادها للسياسة الخارجية التي أضعفت تأثيرها وهَمّشت دورها وقلّصت نفوذها.
الاعتراض هو على البيان الصادر عن اللقاء الرباعي، هذا البيان الذي تجاهل تماماً لبنان وقضاياه وكأنّ سفراء هذا اللقاء هم سفراء دولة أخرى، أو انهم اعتقدوا أنفسهم على مستوى وزراء خارجية الدول الأربعة. فوظيفة هؤلاء السفراء إيصال رسائل دوَلهم إلى الدولة اللبنانية لا السورية، أو إبلاغ لبنان بشكل واضح أن مهمتهم تشمل دمشق وبيروت في آن معاً. فالبيان الصادر عن الاجتماع "فضيحة" بكلّ ما تعني الكلمة من معنى.
لا أحد في وارد مناقشة مضمون البيان، لأنّ الدعم العسكري واللوجستي والمادي الذي تقدمه هذه الدول للنظام السوري تبقى فعاليته أقوى ألف مرة من استخدام أدبيات بعثية تنتمي إلى الأيام الأولى من الثورة السورية بوَصفها جماعات إرهابية مسلحة…
كما أن لا أحد في وارد مناقشة الأسباب الموجبة التي دفعت هؤلاء السفراء للاجتماع، لأنّ هذه الأسباب معروفة وتتصِل بالموقف الروسي الذي بدأت إشاراته المتناقضة تؤثر في معنويات النظام السوري، فبادرَ السفير الإيراني إلى إصدار بيان عنيف للردّ على نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف الذي قال إنّ النظام يفقد السيطرة على البلاد، وذلك بحضور السفير الروسي. ومن ضمن الأسباب الموجبة للبيان أيضاً إعطاء إشارات دعم للنظام، الأمر الذي يؤشّر إلى حالته الكارثية التي أصبحت تستوجب لقاء سفراء دولة مجاورة لا يقدمون ولا يؤخّرون لدعمه.
لم يسبق لأيّ مجموعة سفراء عربية أو غربية معتمدة في لبنان أن عقدت اجتماعاً وأصدرت بياناً لا ذِكر فيه لمخاوف بلادها من ملفات لبنانية محددة. فعندما يجتمع سفراء الاتحاد الأوروبي أو يتحركون باتجاه المرجعيات الرسمية، يكون تحرّكهم هادفاً لإيصال رسالة محددة، ويكفي في هذا الإطار استعادة خطوَتهم بعد اغتيال الشهيد وسام الحسن ودعوتهم لتشكيل حكومة جديدة واستبعاد الفراغ، فضلاً عن أنّ مقاربتهم للأزمة السورية منذ اندلاعها كانت وما زالت من باب الحؤول دون انعكاسها على لبنان وتشجيعهم لسياسة النأي بالنفس الفعلية التي تحفظ استقرار لبنان وأمنه.
ومن هنا لا يمكن تصنيف الاجتماع الرباعي إلّا كونه انتهاكاً للسيادة اللبنانية، ولا يقلّ خطورة عن الانتهاكات المتواصلة للجيش النظامي السوري للقرى الحدودية اللبنانية، أو خطف إيران و"حزب الله" للقرار الوطني، كما يعبّر عن خلفية استخدامية متواصلة للساحة اللبنانية والتعامل معها كصندوق بريد لإيصال الرسائل الديبلوماسية والسياسية والأمنية والعسكرية.
وهذا الانتهاك للسيادة الوطنية والاستخدام للساحة اللبنانية يستوجب استدعاء وزارة الخارجية لهؤلاء السفراء وإبلاغهم اعتراض لبنان الشديد على تحويله رأس حربة في مواجهتهم الدولية والإقليمية، وبما يتعارض مع سياسة النأي بالنفس التي يتبعها. وبالتالي، فإنّ غَضّ الحكومة النظر عن هذا اللقاء يحوّلها إلى شريكة فيه، ويجعله لقاء خماسيا لا رباعيا فقط. ولكن بمعزل عن مصير طلب دعوة الخارجية اللبنانية إلى استدعاء السفراء الأربعة، كون موقع الخارجية والحكومة مصادرين من قبل الحزب، فإنّ المطالبة بحدّ ذاتها مهمة لكَبح تكرار اجتماع من هذا النوع، وعدم جعله يمرّ مرور الكرام.
فالاجتماع الرباعي لسفراء الدول الداعمة للنظام السوري حقيقة لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها، وذلك خلافاً للإشاعات والفَبركات التي تنسجها قوى 8 آذار حيال دور الولايات المتحدة والدول الأوروبية في لبنان، في محاولة مكشوفة لتغطية تدخّل سوريا وإيران الفاضح في الشؤون اللبنانية وتبريره، أو قُل هَيمنتهما على القرار السياسي اللبناني.
