Site icon Lebanese Forces Official Website

الزمن الرديء… الى متى؟

كُل يوم ثلاثاء وبعد مُشاهدة بعض اللقطات من المسرحية الهزلية الاسبوعية، أجِدُني أضحك كثيراً على مضمونها وأكثر على شكلها. فالمضمون في أغلب الأحيانِ فارغٌ وساذجٌ والشكلُ كوميديٌ بامتياز.

تَتَميز هذه المسرحيات باحتوائها تعابير ومصطلحات للراشدين فقط، كما أنّها غالباً ما تكون جديدة مما يسمح بإضافتها الى قاموس السياسة اللبنانية لتستعملها الأجيال القادمة.

في حلقة الثلثاء 11-12-2012، وقف "نجم الرابية" وبيده خريطة يَشرحُ عن خلافٍ على الأراضي بين بلدِيَتَيّ المتَين وبتغرين، ورُغم أنّه نظَر اليها مرّات عدّة وكان يَشرح عن الحدود بين البلدَتَين، لم يُلاحِظ أنّه يُمسِكها بالمقلوب، الى أن لفَتَ انتباهه أحد الحاضرين، فَبَرَمَها وقال:"معليشي متل بعضا هلّأتنيي الرسمة المهمة، هاي ياها، هيِّ ذاتا بعدا، هيِّ ذاتا."

ضحكتُ كثيراً، ليس على طريقة إمساكِهِ بالخريطة، فالكل مُعرَّض للخطأ (حتى لو كان اصبعه عليها أثتاء الشرح)، وإنّما على الـ "هيِّ زاتا بعدا"، فكيف لخريطةٍ أن تبقى "هيِّ زاتا" وهي رأس على عقب؟

بعد انتهاء المسرحية وَجَدتُ أنّ ما يُبكي أكثر بكثير مما يُضحِك.

فكيف لرَجُلٍ كهذا كان رمزاً للفشل في العسكر بعدما خَسِرَ وبِجدارة كلّ المعارك التي خاضَها عندما كان قائداً للجيش، رَجُل تبوَّقَ أرفَع المراكز في الدولة اللبنانية، وفي يومٍ من الأيام كان يَختصِر كلّ الدولة، وهو حالياً نائب ورئيس تَكَتّل ورئيس تيّار، لا يَنطُق الّا بالألفاظ البذيئة، وأغلب الأوقات تراهُ عَصبيّ المزاج يَشتُم يَميناً وشمالاً يَمتهنُ الكَذبَ وتلفيقَ الأخبار وتركيب الأفلام والصور، رَجُل يُبدّل مبادِئهُ حَسب أهوائهِ ومصالحهِ مُتناسياً كلّ الذين استَشهدوا أو اعتُقلوا دفاعاً عنها، رَجُل تفوح من تياره رائحةُ الفساد والصفقات والمحسوبيات والمحاصصة، رَجُل لم يجد مَن هو أفضل من جلّاديه ليتحالف معهُم ويَستميتَ في الدفاع عنهم… كيف لرَجُلٍ بِكلّ هذه الاوصاف والسذاجة والاستخفاف بالناس وبعقولهم، يَستطيع أن يَجمعَ هذه الكمية من البشر ليسوقها كالنعاج كيفما أراد؟! كيف استطاع أن يدخُلَ ويُسيطرَ على عقولهم ليُقنِعَهُم بأفكاره الخدّاعة ومن ثمَّ بنقيضها؟!

شيءٌ محزن ومُبكي حقاً أن ترى مجموعة كبيرة من مجتمعك تمشي في طريق لا تؤدي الا الى الموت والخراب، ليس فقط عليهم وانما على مجتمعهم أيضاً.

مجموعة تَضُمّ أطباء ومهندسين ومحامين وشعراء وممثلين والكثير من وجهاء المجتمع الذين من المُفترض أن يكونوا واعين وعاقلين ومنطقيين ومثقفين، تَراهُم وكأنّهُم يعيشون في كوكبٍ آخر، عُقولهم مخدّرة وموجّهة لا يؤثر فيها كل ما يَحصل حولهم من حوادث وتَغيُّرات. يَضحكون عندما يَشتُم كأنّهُ إله أو قدّيس. يُصَفّقون عندما يكذب وكأنّ كلامَه مُنزَل، يَصمتون صَمتَ الحِملانِ عندما يُزَمجِر بهم. وعندما نناقشهم، نجدهم يملكون الكثير من صفات رئيسهم لدرجة تجعلك تتفاجأ وكأنك تتكلم مع شخص لا تعرفه مع أنّهُ أحياناً يكون رفيقك أو طبيبك أو حتى فردٌ من أفراد عائلتك.

والسؤال الذي يُطرَح هنا: هل مصادفة أنهم هكذا لأنّهم ينتمونَ الى التيار، أم أنّهم ينتمون الى التيار لأنّهم أصلاٌ بهذه العقلية وتلك الصفات؟ طبعاُ بإستثناء الحاقدين على كل الأحزاب المسيحية الأخرى والذين كانوا النوات التي بُنِيَ عليها التيار في أواخر الثمانينات.

سيأتي يومٌ و يَحل هذا الرجُل عائداً الى خالقه كما كل البشر، ولكننا نسأل أنفسنا: كيف سنَبني مُجتمعنا مَعهُم؟ كيف سنتفاهم ونَتّفق معهم على المبادئ والأهداف وكيفية التعاون وطريقة التخاطُب التي وصَلت بِفضلِهم الى حَضيض اللياقة والأخلاق التي لم يَعهدها أحد في العمل السياسي؟ هل سينتظرون نَيروناُ آخراُ ليُطوّبوه زعيماُ جديداُ ليُحرِقَ ما بقي من الأخضر واليابس؟ أم أن عيونهم سترى من جديد لِتُمَيّز ما هو خير ولمصلحة مجتمعنا وما هو شرّ ويؤدي به للهلاك؟

حقاً انّه لزَمَنٌ رديء وواقعٌ مُحزنٌ ومريرلا يُغَيّره التهكم ولا الانتقاد ولا التَشَفّي ولا حتى النُصحَ والمواعظ، فلا حياة لمن تنادي. أمَلُنا فقط في مَن ميلاده الآتي بَعد أيّامٍ لِيُنيرَ العالمَ من الظُلمةِ ويَملأ القلوبَ بالمحبّة، أن يُنيرَ عُقولهم ليُميّزوا الحق من الباطل والحقيقة من الكَذِب، ويَمحُوَ الحِقدَ والبُغضَ من قُلوبِهم لأنهم يُعميان البَصَرَ والبَصيرَةَ، ويزرع فينا جميعاً بذورَ الرجاءِ والأملِ بقيامةِ وطننا المصلوب والمُعَذّب منذ زمن بعيد.

Exit mobile version