
وقّع الأب ميلاد طربيه ألبومه "تاني تكوين" خلال أمسية أحيتها جوقة "الصوت العتيق" وجوقة "كُرُ أكويلينا" بإدارة الأب طربيه، في قاعة البابا يوحنا بولس الثاني في جامعة الروح القدس – الكسليك، في حضور ممثل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي المطران بولس روحانا، السفير الباباوي في لبنان المونسينيور غابريال كاتشيا، النائب وليد خوري، المطرانين ميشال عون وجو معوض، الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية الأباتي طنوس نعمة، الأب المدبر نعمة الله الهاشم، أمين سر عام الرهبانية اللبنانية المارونية الأب كلود ندرة، رئيس جامعة الروح القدس الأب هادي محفوظ، بالإضافة إلى أعضاء مجلس الجامعة وحشد من الشخصيات الروحية والعسكرية والتربوية والاجتماعية.
ويتضمن الألبوم أناشيد ميلادية باللغتين العربية والسريانية، حيث حضرت اللغة السريانيّة بقوّة في هذا العمل من خلال سبعة ترانيم أعادت تراث الأجداد، لغة وتأثيرًا لحنيًا إلى الواجهة.
قدمت الأمسية الإعلامية ماغي عون وتضمنت ترانيم من الألبوم وكان الإنشاد المنفرد لكارلا رميا. كما تخللها كلمات لكل من عميد كلية الموسيقى في جامعة الروح القدس الأب يوسف طنوس الذي أعرب عن تقديره لمواهب الأب طربيه الموسيقيّة في التلحين، وفي إدارة الجوقات، وفي التعليم والبحث الموسيقي، ولديناميّته وجدّيّته في العمل وفي الإنتاج. أوشار إلى أنه "تتناغم لدى الأب طربيه الموسيقى مع الكلمة. فالكلمة مختارة بعناية من الكتاب المقدّس ومن مؤلّفات مار أفرام السرياني، كنّارة الروح القدس، ومن آباء معاصرين تأمّلوا في الكتاب المقدّس وغرفوا منه، فجاءت مؤلّفاتُهم الشعريّة والأدبيّة امتدادًا لتقليد كتابيّ لاهوتيّ وروحيّ طبع الكنيسة السريانيّة المارونيّة، أعني بهم الأب العلاّمة المرحوم روفائيل مطر، الأب يوحنا جحا والأب بيار الغصين. أمّا الموسيقى المتجذّرة في التراث الموسيقيّ المشرقيّ في أسلوب متجدّد في صياغته وفي إخراجه، فقد سكب فيها الأب ميلاد طربيه عصارة مواهبه التلحينيّة وخبرته في التعامل مع الكلمة المرتَّلة، فأتت جميلةً في لحنها، أنيقةً في سكبها، متنوّعة في إيقاعها، مصلّيةً في وقعها، مُتقنةً في أدائها".وجال الأب طربيه على المقامات الشرقيّة، من البياتي، إلى الراست، إلى النهاوند، إلى العجم، فطعّمها بالأجناس الموسيقية السريانية، وباستعارات من الألحان السريانية المارونية، مع لمعات من موسيقى باقي الكنائس الشرقية ومن الغناء البوليفوني المتعدّد الأصوات.
كما كانت قصيدة شعرية للشاعر والصحافي حبيب يونس من وحي المناسبة، وكلمة لمدير جوقة جبل لبنان للروم الأورثوذكس جوزيف يزبك الذي قال: "من غير المعهود أن يعتلي بيزنطي منبرًا سريانيًّا يتناول فيه روحانيّة ألحان السّريانيّة ونغماتها، غير أن الرّوح القدس هو نفسه الذي ينفخ في الحناجر كي تسبّح هنا وثمّة، والتاريخ يشهد والنغمات."اليوم نعمة الرّوح القدس هي التي جمعتنا"… وأضاف: "تلك الأسطوانة التي أقل ما يُقال فيها أنها خبرة روحيّة تروي كلّ روح ظمأى قطرات خمر من العشاء الأخير، لافتًا إلى "أن أول ما حرّكته فيّ هذه الأسطوانة هو حنين. حنين إلى السريانيّ أفرام مُلهم رومانوس المرنّم أبو البيزنطيّة وإلى ماض رتّل فيه روم هذه الأرض بالسّريانيّة قبل أن يأتينا العرب. حنين إلى روحانيّة كنيستنا المشرقيّة وإلى رسائل الرّاهب مارون إلى الذهبيّ الفم في القسطنطينية".

أما أمين سر عام الرهبانية اللبنانية المارونية الأب كلود ندرة فاعتبر في كلمته أن الأب طربيه "هو ذلك الراهب الذي لبس قشيب الأسود، وارتقى درجات مدرسة القداسة، وتعمّق في استنشاق عبير الأصالة من موارد الروحانية الأنطاكية السريانية المارونية… هذا الراهب الممّحص في بوتقة الصدق، فطر على ريادة القمم، فأبدع في صياغة ذاته، ولهذا في لمعات ترانيمه نكتشف شخصه، نكتشف أن النضج والحكمة لا تقاس بالأعمار، بل هي نتيجة تراكم القيم في كل موقف، في كل عمل، وفي كل خيار". وأضاف: "هذا هو المحترم الأب ميلاد طربيه، الإنسان، والراهب، والمدبّر، والرئيس، والملفان، والملحن، والباحث عن المطلق يخاطبنا بلغة حدودها اللامحدود، ويدعونا إلى مشاركته سر الخلق الجديد وقد استعار التعبير من رسول الأمم، الذي قال: "نحن في المسيح يسوع خليقة جديدة"، فكان "تاني تكوين" لأنه بتجسد المسيح أعاد الله إلى آدم صورة بهائه الأول، ومن ثغر طفولته يعود بنا إلى ما أعلنه يوحنا يقوله: "به كوّن كل شيء". في التكوين الأول خلق الله الإنسان على صورته كمثاله، وفي التكوين الثاني أخذ الله صورة الإنسان ليبث فيه الحياة الإلهية".
وتابع: "عبر إصداره الجديد يضعنا الأب ميلاد طربيه في سياق منهجية تربوية تصاعدية يعكس من خلالها تربوية الله في كشف ذاته للبشر، عارضًا ذلك في شكل حوارات، بين السماء والأرض، بين الله والإنسان، بين السلام المرجو المنتظر، والسلام المتجسّد وقد شارك فيه بنو البشر. هذا الحوار لم يقتصر على اختيار النصوص، بل تراه في الأداء بين الإنشاد المنفرد وإنشاد الجوق، بين بلورية أداء الأصوات النسائية، ودفئ وقرار أصوات الرجال، وقد أضاف إليها سحر أداء الأطفال لمسة سماوية، بين تلاقي النغمات المبنية على سلالم مختلفة، تفاوتت من تغريد ورصانة النمط الغربي، إلى طرب وعفوية وعرب الشرق، كل هذه في وحدة جوهرية أضفت على العمل في ذاته ترابطًا وانسجامًا مع عنوان العمل "تاني تكوين".
وفي ختام الأمسية وقّع الأب طربيه ألبومه للحضور.
