لا يكلّ الرئيس نجيب ميقاتي عن ممارسة هوايته المفضّلة: يُغلّف مواقفه الصغيرة بشعارات كبيرة. ويُلبِس اصطفافاته المنحازة وغرضيته السياسية الشخصية لبوس الوسطية.
والواضح، أن شيئاً حساساً في أدائه كان ولا يزال مفقوداً: يصمت كثيراً عندما يجب أن يتكلم، لكنه عندما يتكلم يؤكد الطبيعة الأولى المعروفة عنه! بحيث يصير الصمت في حالته، فضيلة نسبية، إذا كان ما يقابلها هو التأليف والتحريف!
يحكي بلسان 8 آذار ويتبنى شروطها السياسية، في قانون الانتخابات وموضوع التغيير الحكومي وغير ذلك. ويجادل قوى 14 آذار بنَفَسٍ إداني واضح، ثم بعد ذلك يدّعي الوسطية.. وفي ادعائه، زعمٌ بيّن، تفضحه في كل ساعة وكل خطاب، مواقف أرباب حكومته وصنّاعها. كما فيه تشويه للحقيقة من خلال الإيحاء بأن كل الوسطيين مثله!
حكى عن "إمارة" طرابلس المزعومة، وأخذه الشطط بعيداً: كشف بلسانه ما يضمره عقله السياسي. وفيه ذلك التماهي الذي لا حدّ له مع السياسة الأسدية ومراميها الفتنوية في لبنان. وكيفية انتقالها إلى مراتب أرفع مستوى من العسس الإعلامي اليومي لتمرير ادعاءاتها ومتفجراتها.. تأخر (ميقاتي) عن سليمان فرنجية ووزيره وميشال سماحة في الحكي عن "القاعدة" و"الجماعات الإرهابية" في شمال لبنان.. لكنه نطق أخيراً. وعلى عادته المألوفة غلّف دوره الصغير بقصة كبيرة: "لو لم يدخل الجيش لقامت الإمارة".
وفي سياق ونطاق وزاروب ذلك الأداء، مشى خطوة إضافية، وكشف ما كانت تلهج به دوائر وأجهزة رسمية، وما كان يعرفه الجميع في طرابلس وخارجها، من أنه يمون على (أي يموّل) مسلحين معروفين في المدينة.. لكن مقدار الخفّة التي حكى فيها عن أحد هؤلاء تثير القلق فعلاً إزاء مؤهلاته الشخصية والسياسية.
يعرف أن "الأكثرية" ليست "بابا نويل، وليست مستعدة لتقديم هدايا سياسية (…) ورأس الحكومة على طبق من ذهب إلى المعارضة". لكنه نسي أن يضيف ما يعرفه أكثر من ذلك، وقبل كل ذلك، وهو أن هذه "الأكثرية" لا تملك أن تعطي شرعياً ما ليس لها أصلاً! وما أخذته بالتهديد والترهيب وسطوة السلاح.. وأنه هو شخصياً رضي أن يغطي ذلك الانقلاب المخزي على الأصول والقيم والدستور والأعراف، والذي استهدف الإمساك بالسلطة أولاً والاغتيال السياسي للرئيس سعد الحريري ثانياً إشباعاً لطموحاته المستطيلة وتنفيذاً لأوامر ورغبات ملهمه الاول بشار الاسد وراعيه الاول السيد حسن نصر الله.. وأنه في سياق مدوّنة سلوكه المعروفة والمألوفة، غلّف تلك الانتهازية الصغيرة بشعار كبير هو منع الفتنة!
كلما حكى، غطس أكثر وانكشف أكثر.. لو ينصحه أحد ما باستثمار فضيلة الصمت، ففي ذلك ستر.. وإن كان مفضوحاً!