قُرعت أجراس دير سيدة البلمند وأديرة الكورة وكنائسها فرحاً بإعلان انتخاب متروبوليت أوروبا يوحنا يازجي بطريركاً جديداً لأنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، ومن الدورة الانتخابية الأولى، خلفاً للبطريرك الراحل إغناطيوس الرابع هزيم.
ترأس القائمقام البطريركي سابا اسبر دورة المجمع الأنطاكي المقدس الاستثنائية لانتخاب بطريرك جديد في قاعة محاضرات دير سيدة البلمند البطريركي، في حضور المطارنة: اسبيريدون خوري (زحلة والبقاع)، جورج خضر (جبيل والبترون)، الياس عودة (بيروت)، يوحنا منصور (اللاذقية)، ايليا صليبا (حماه)، الياس كفوري (صيدا وصور)، انطونيوس شدراوي (المكسيك)، دامسكينوس منصور (البرازيل)، بولس يازجي (حلب)، جاورجيوس ابو زخم (حمص)، يوحنا يازجي (اوروبا)، باسيليوس منصور (عكار)، سلوان موسى (الارجنتين)، افرام كرياكوس (طرابلس والكورة)، بولس صليبا (أوستراليا)، سرجيوس عبد (تشيلي) والوكيل البطريركي الاسقف غطاس هزيم. وتغيّب بداعي المرض المطرانان فيليبوس صليبا (اميركا الشمالية) وقسطنطين بابا استيفانوس (بغداد والخليج).
استهلّت الدورة بصلاة، تبعها مداولات في الاسماء المرشحة، وتمّ انتخاب البطريرك الذي أعلن عن اسمه في بيان تلاه المطران موسى سلوان. وممّا جاء فيه: "بعد الصلاة واستلهام الروح القدس جَرت عملية الترشيح، وانتقل الآباء بعدها الى كنيسة نياح السيدة في الدير حيث جرت عملية الاقتراع السرية، واعلن انتخاب المطران يوحنا يازجي متروبوليت أوروبا، ليتولّى السدة البطريركية خليفة للرسولين بطرس وبولس، وبذلك اصبح غبطة السيد يوحنا العاشر بطريركاً على انطاكيا وسائر المشرق، وستتولى الدوائر البطريركية إعلان الترتيبات الرسمية لحفل التنصيب واستلام الرعائية".
وقد أكّد يازجي، في كلمة بعد انتخابه، أنّ "الإنجيل سيبقى هو المفتوح فوق رأسي ومنه أستلهِم"، لافتاً إلى أنّ "هذه الخدمة صليب، لكنّ السّيد الذي رُفع على الصليب قام من بين الأموات"، متمنّياً أن "أقوى في هذه الخدمة التي أؤتمَن عليها". وقال: "نحن ندرك أن شعبنا طيّب، وخدمته لذيذة وعذبة على قلوبنا، نحن من هذه الأرض، من هذه البلاد، بلادنا ترابنا جزء منّا ونحن جزء منها".
وشكر يازجي لآباء المجمع "ثقتهم ومحبتهم"، طالباً "أن نكون يداً في يد لنجعل من كنيسة أنطاكية الصورة التي تليق بعروس المسيح، والكنيسة كما نعرف جميعاً هي شبابنا وصبايانا وأطفالنا وعائلاتنا".
وقبل مغادرته دير سيدة البلمند، هنّأ المطران الياس عوده البطريرك الجديد، رافضاً الإدلاء بأيّ تصريح ومكتفياً بالقول "إنه بركة لنا جميعاً".
مؤتمر صحافي
وبعد الظهر، عقد البطريرك يازجي مؤتمراً صحافياً، شدّد فيه على "أننا باقون في سوريا، والمسيحيون باقون والأرض أرضهم"، مشيراً الى أنّ "بلادنا تعرضت عبر التاريخ الى أوقات صعبة جداً، كان الكثيرون يقولون إنّ الآخرة جاءت، ولكننا موجودون وباقون وثقتنا كبيرة بعضنا ببعض". وأكّد "أننا في لبنان وسوريا عائلة واحدة وكنيسة واحدة، وحتى حدود الكنيسة الإدارية التي تمتد إلى ما بعد لبنان وسوريا"، مشيراً الى "أننا نؤمن بالحوار وهذا ما يسعى إليه الجميع، حتى في سوريا وخارجها، وسنكمل هذه المسيرة من أجل خير هذا البلد".
وأكد يازجي أن "العلاقة مع الكنائس المسيحية الأخرى تهمّنا"، وقال: "سنعمل جاهدين على هذا الموضوع مع إخوتنا المسلمين في هذه البلاد، ونحن عائلة واحدة ومصيرنا واحد، وثقتنا كبيرة بشعبنا"، لافتاً إلى أنّ "الكنيسة الأرثوذكسية أعطت الرسالة للجميع بأننا قلب واحد وأن الأخوة في المجمع الأنطاكي المقدس يعملون بروح الرب".
وشكر يازجي للمطارنة ثقتهم به، مجدداً التأكيد أنّ "أمامنا في الكنيسة عمل كبير. فعلى صعيد البيت الداخلي علينا أن نسير المسيرة الحقيقية في الكنيسة، مسيرة البناء، وأوّلاً بناء الإنسان"، مضيفاً: "لدينا عمل كبير على صعيد التعليم والشباب والمدارس وعلى صعيد هذه الجامعة"، معلناً "أننا يد واحدة وعائلة واحدة وكلنا نعمل سوياً من أجل خير الإنسان وبناء البلد، وخصوصاً في المشرق، وتحديداً في لبنان وسوريا".
إسبر
وفي حديث لـ"الجمهورية"، قال المطران إسبر إن "البطريرك الذي أرسله الله إلينا نعمة للكنيسة وللبنان، وهو رجل الطهارة والقداسة، وبوجوده أنا أؤمن بأنّ الله يحوّل كل الشرور إلى خير".
وشدّد على أنّ "عملية الانتخاب جَرت بكلّ ديموقراطية كما ينصّ القانون، وقد حاز غبطته نسبة عالية من الأصوات يمكن أن ندعوها بالإجماع".
وعن الأسماء التي كانت مطروحة وبروز اسم البطريرك يازجي، لفت إسبر الى أنّ "أسماء عديدة طُرحت في وسائل الإعلام، لكنّ اسم بطريركنا الجديد مطروح من فكر الله، وربّنا لديه ترتيبات يوحي بها متى يشاء".
وعمّا سيحمله البطريرك الجديد الى لبنان والعالم، أكد إسبر أنّ "البطريرك يوحنا العاشر رجل محبة ووداعة وخير، وأب روحي من الطراز الرفيع للكرسي الأنطاكي. وإنّ أباً بهذه الصفات العالية سيحمل طبعاً الفرح والتعزية الى قلوب الكثيرين، ونحن نأمل في أن تقوم الكنيسة في عهده بنهضة جديدة".
من جهته اعتبر الاب إبراهيم سعد، رئيس المحكمة الابتدائية للروم الأرثوذكس في جبل لبنان، أنّ انتخاب البطريرك يازجي "هدية من الله"، وقال لـ"الجمهورية": "هو رجل عظيم من حيث الأخلاق والروحانية والإدارة والإخلاص، فقد ترأف الله بالكنيسة، ويمين الله حَلّت على الكنيسة الأنطاكية لحظة اختياره".
بدوره، يخبر الاب سعد الذي كانت له فرصة التعرّف إلى يازجي، والتتلمذ على يديه: "كان أستاذي عامَي 1986 و1987 في معهد البلمند في الشمال، استقيتُ منه كمّاً هائلاً من العبَر والدروس، منها التواضع في الدرجة الأولى والجدية في العمل. كذلك اعتماد "اللطافة" لغة حوار مع الناس، خصوصاً أنه كان على مسافة قريبة من المؤمنين، ما عَزّز التواصل بينه وبين مختلف الجماعات".
وعن انتخابه بطريركا للكنيسة الأورثوذكسية، يقول: "في انتخابه تجسدت إرادة إلهية، للوهلة الأولى. لا شك أننا في الأساس تمنّينا لو ينتخب بطريركاً، ولكن البعض استبعده لأنه يحتاج إلى 5 أشهر كي يتسنّى له الترشّح. نشكر الله لتغيير الأمور، ربّما لأنّ مشيئة الله أرادت أن يكون لنا بطريرك من عائلة مباركة كريمة وملتزمة، وتميّزه صفات حميدة كثيرة".