إذا عدنا الى مستلزمات الإنتماء، نجد أنّ الولاء حالة شرطيّة تشكّل جوهر العلاقة بين المواطن ووطنه، علاقة تقوم أساساً على الوفاء في الإرتباط، أي قوام الشرف. وهي ثقافة تحصّن صاحبها في مقابل التلوّن والخيانة وأصناف الغدر، وهي التزام يعبر الى الذات فوق جسور الإيمان والصدق في الإخلاص. ويمكن للإرتباط أن يصدر عن نقاء الوفاء، فلا يحيد عن جادة الإقتناع مهما قست الظروف، ويمكن أن يكون إصطناعيّاً من البداية، فيستثمر للتمويه والتعمية على مسميّات الخيانة والمصلحة والوصوليّة الرخيصة.
العلاقة مع الوطن ليس لها أكثر من عنوان، وهو سلوك الكبرياء الثابت أو ممارسة الكرامة من دون اجتهاد، أو هو العشق البريء حيث يحلّ العاشق في المعشوق ليصيرا واحداً، كما عشق الصّوفيّين للخالق في شموخ أبديّ. والعلاقة مع الوطن عقد روحيّ أو بصمةٌ رسمتها ريشة الزمن وليس لها امّحاء، فهي أبعد من صلة رحم وأمتن.
وكما أنّ الوفاء للوطن ليس بدعة، فإنّ الإنقلاب عليه ليس بدعةً هو الآخر. وعندنا نماذج ممهورة بالخيانة، كان الولاء معها حالة موقّتة أو زواجاً صوريّاً قادها الى مواقع ومقامات ليست من عجينتها، فداست على العهد ونقضت مفهوم الإرتباط المقدّس، وكانت مطيّةً للغدر فاستحقّت بجرمها الرّجم لأنّها جرحت كرامة الوطن.
إنّ بعضهم، وقد حمل سيف عار من خشب، وفاح منه أكثر من صفة سيّئة، بات سوقاً لبضاعة مقيتة يجهد لتصريفها خلف عناوين مزوّرة، ليس أقلّها إصلاح الموبوء وتغيير الفاسد. وهي بضاعة عُمِلَ على ترويجها في مكان بعيد، وتمّ استيرادها لضرب تركيبة التوازن بين مكوّنات النسيج الوطني باستقواء بغيض، ولتشليع هويّة الوطن، ولنسف مقوّمات الدولة وفي مقدّمها قواتها المسلّحة. ويفرط هذا البعض بالزّعم، ومن خلف وقار سياسي، أنّ الدولة هي درعه الحصينة، وأنّ جيشها هو الضّامن الأوحد لاستمرارها، ثمّ نراه في كلّ ظهور ومناسبة لا يعمل إلاّ على تقويض ما يزعم، أو أنّه يمارس خدعة سمعيّة إسمها: عودة الدولة الى الدولة. أوليس هذا الدّور بالذّات هو الشّهادة بالزّور؟ أو هو تسليم مفاتيح الوطن، هذا الجسد المرتعش، الى عرّاب مُغربيّ أعجميّ أقلّ ما يقال عنه إنّه هجين قامع مُغرض؟
قبل أن تسدل السّتارة العملاقة على من عرّوا تاريخهم، وتجرفهم التحوّلات خارج حلبة
الوطن، هذا البطل العتيد اليتيم الذي يمتلك الورقة التي تنتهي حتماً بالربح، لن نركن الى طقوسيّة بائدة ونتمتّع بغريزة الإنتقام، فطوباويّتنا الأرضيّة وديعة السماء فينا، تحرّك منهجنا الأخلاقي الرّافض لثقافة العدائيّة والإلغائيّة، وتحفّز الدعوة الى المسامحة والتجاذب مهما كان الآخر خاطئ.