كتب عامر مشموشي في "اللواء":
النزوح السوري الكثيف إلى لبنان، والذي بلغ حتى الآن، وفق الإحصاءات الرسمية، أكثر من مائة وأربعين ألف نازح إلى كثافة النزوح الفلسطيني من مخيم اليرموك ولا سيما في الأيام الثلاثة الأخيرة، ما يشغل كبار المسؤولين وكافة الأجهزة الأمنية هذه الأيام، لأن هذه الكثافة في النزوح تجاوزت قدرة لبنان على استيعابها، لكن لبنان يتعامل معها من دوافع إنسانية ومن باب الاعتراف وردّ الجميل للشعب السوري، الذي كما تقول جهات أمنية مسؤولة تعاطفوا مع اخوانهم اللبنانيين خلال الحرب الأهلية، واستقبلوا العديد منهم بين الاحضان ولا سيما في حرب تموز 2006.
وتضيف الجهات الأمنية المسؤولة في حوار معها تناول العلاقات الأمنية اللبنانية – السورية وموضوع النازحين السوريين إلى لبنان كذلك موضوع النزوح الفلسطيني، وواجب لبنان الإنساني رغم تعاظم عدد النازحين والذي تجاوز إمكانات لبنان الاستيعابية، تضيف أن لبنان يشعر بواجبه الانساني والاجتماعي تجاه اخوانه السوريين، وما يقوم به يدخل في هذا السياق، رغم ان ثمة قلقاً من تزايد أعداد النازحين في الأيام المقبلة بشكل يفوق كل طاقاته وإمكاناته المحدودة، خصوصاً وأن معظم النازحين هم من الطبقة الفقيرة، اما الطبقة الميسورة فتتجه في نزوحها نحو دول وبلدان غير لبنان، وتحديداً في اتجاه جمهورية مصر العربية التي تقدّم لهم تسهيلات كبيرة للاستثمار هناك، معتبرة ان لبنان يستقبل النازحين من واقع انساني ومن باب الواجب وردّ الجميل والوفاء للسوريين الذين استقبلوا النازحين اللبنانيين في بيوتهم ومنازلهم خلال الحروب التي مر بها هذا البلد، ولا سيما في حرب تموز عام 2008.
وقدرت الجهات الأمنية المسؤولة عدد السوريين الذين نزحوا إلى لبنان بسبب الأحداث الدامية في بلدهم، حسب الإحصاءات الرسمية، بـ140 ألف نازح، وتوقعت أن يرتفع في المستقبل من دون أن يتمكن أحد من تحديد سقف لهذا الارتفاع إذا لم تتوقف الأحداث في سوريا، مشيراً إلى ان عدد النازحين الفلسطينيين ارتفع أيضاً مؤخراً، وهو على ازدياد بعد احداث مخيم اليرموك بما يتجاوز قدرة الدولة اللبنانية على الاستيعاب، ولكن وفي المحصلة فان الأجهزة الامنية المعنية تقوم بالواجبات المطلوبة منها لجهة تنظيم وجود هذا العدد الكبير من النازحين السوريين والفلسطينيين، وقد وضعت آلية لذلك وهي تشمل النازحين الفلسطينيين والسوريين في آن معاً.
واللافت في توضيحات الجهات الأمنية المسؤولة على صعيد النزوح السوري إلى لبنان، تأكيدها انها تتعامل مع المعارضين منهم للنظام السوري وتتواصل أيضاً، لأنها تعتبر أن هؤلاء النازحين، وإن كانوا من المعارضة، فهم موجودون على الاراضي اللبنانية وطالما انهم يلتزمون بالقوانين المرعية الاجراء، فالتعامل معهم واجب على المسؤولين وليس التضييق بسبب آرائهم وأفكارهم، وذلك من منطلق سياسة النأي بالنفس التي تلتزم بها الحكومة اللبنانية والأجهزة الأمنية التابعة لها.
وأوضحت هذه الجهات رداً على سؤال بخصوص التعامل مع المعارضة السورية ومع النظام السوري على قدم المساواة، أن هناك اتصالات بيننا وبين معارضين سوريين، كما هناك اتصالات مع النظام السوري، طالما أن هؤلاء المعارضين موجودون على الأراضي اللبنانية بصورة شرعية ويمارسون حقوقهم التي يحفظها القانون.
أما بالنسبة إلى التعامل مع النظام السوري فأوضح اننا كدولة وكأجهزة رسمية تابعة لها نتعامل مع النظام القائم، كالتعامل مع أية دولة أخرى وهذا لا يُشكّل اي خرق لسياسة النأي بالنفس التي تعتمدها الحكومة اللبنانية إزاء الوضع في سوريا.
وفي ما يتعلق باستعادة باقي جثامين اللبنانيين الذين قتلوا في كمين تلكلخ، وما يُحكى في وسائل الإعلام عن تروي النظام السوري في تسليمها، نفت الجهات الأمنية المسؤولة ذلك، وأكدت أن المسؤولين السوريين يبدون تجاوباً معنا في هذه القضية، والتأخير في تسليم الجثامين الثلاثة الباقية في حوزة السوريين يعود سببه إلى الالتباس في التمييز بين جثامين اللبنانيين والجثامين السورية، وسوف تشهد الايام القليلة المقبلة تسليم ثلاثة جثامين وبذلك لا يبقى في سوريا سوى موقوف واحد لا يزال حياً.
وأوضحت الجهات الأمنية انها لمست خلال المفاوضات التي جرت مع مسؤولين سوريين لتسليم الجثامين أن السوريين متأثرين بهذا الوضع، ويعتبرون أن هؤلاء اللبنانيين قد غرر بهم، ويستذكرون في هذا السياق بشيء من الألم كلام أحد اولياء الشباب الذين قتلوا من آل علم الدين والذي جاء فيه انه لو كان ابنه ذهب إلى فلسطين لمحاربة إسرائيل لكان ذهب معه، مضيفاً أن المشكلة عند السوريين هي حماوة مواقف البعض والتصريحات العالية السقوف التي تصدر عنها، داعياً الى ضرورة التهدئة والتخفيف من حمأة الخطاب السياسي.
ورداً على سؤال حول التنسيق بين الأجهزة اللبنانية والأجهزة السورية أوضحت الجهات الأمنية أن لا شيء يمنع الاجهزة الأمنية من الاتصال مع كل أجهزة الاستخبارات في العالم ما عدا إسرائيل بوصفها دولة عدوة بطبيعة الحال، ومن هذا الاعتبار تأتي اتصالاتنا مع الأجهزة الأمنية السورية، ومنها على سبيل المثال مع أعلى جهاز أمني اليوم في سوريا علي المملوك، حيث عقدت معه اجتماعات للتنسيق في ملف تلكلخ وغيرها من الأمور الأمنية، وقد تم الاتصال بموافقة رئيسي الجمهورية والحكومة، وذلك من منطلق ان النظام في سوريا ما زال موجوداً وعلى الأجهزة في البلدين ان تتعاون لحل المسائل والاشكالات الامنية خصوصاً وأن جدران لبنان ملاصقة للجدران السورية، ولا يستطيع احد ان يغير الجغرافيا، ولهذا السبب تحصل الاتصالات ونحن كأجهزة أمنية نقوم بواجباتنا رغم كل التحديات والانقسام في البلد.
أما في شأن الاتصالات بشأن المحتجزين التسعة في اعزاز، فأوضحت الجهات الأمنية أن الاتصالات مع الأتراك متواصلة ولم تنقطع، وكادت في مرحلة من المراحل أن تصل لخواتيمها السعيدة ويفرج عن المحتجزين التسعة الباقين في اعزاز لكنها توقفت في الشوط الأخير بسبب تكاذب البعض لاستغلال هذه القضية في مكاسب شخصية لكننا مستمرون في اتصالاتنا مع الجهات المعنية ونأمل ان تحل هذه القضية في وقت قريب.
الجهات الأمنية نفسها لا تنفي من جهة ثانية ولا تؤكد وجود مراكز للجيش السوري الحر داخل الأراضي اللبنانية، لكنها تعرب عن انزعاجها من استغلال بعض السوريين الذين نزحوا إلى لبنان من قبل جهات لبنانية، داعية بعض الرؤوس الحامية كما هو الحال في العاصمة الثانية إلى التهدئة والتعامل بواقعية وعقلانية أكثر.
وفي الشأن اللبناني الداخلي ولا سيما في موضوع عودة الاغتيالات، تعتبر الجهات الأمنية أن الكل مهدد، ومن واجبنا أن نوفر الحماية للجميع ومن دون تمييز، وفي مجالات نحن أيضاً مهددون، وفي أي حال فان الأمن في النتيجة هو أمن سياسي، ومع الأسف فاننا نمر في مرحلة بالغة الخطورة علماً أن الوضع الأمني في الوقت الحاضر أفضل بكثير من الوضع السياسي، مؤكدة أن الأمن لا يزال ممسوكاً ولا نرى خوفاً من انهيار هذا الوضع في المدى المنظور.
وأخيراً، ترى الجهات الأمنية المسؤولة أن الحل العسكري في سوريا بات بالنسبة إلى الطرفين، النظام والمعارضة، في حكم المستحيل، ولا يوجد حل الا بوقف الاقتتال والجلوس إلى طاولة الحوار، مشيرة إلى أن الوضع في لبنان هو أيضاً بحاجة إلى حوار للاتفاق على حكومة وفاقية وعلى قانون جديد للانتخابات، معتبرة أن ما من احد في لبنان يستطيع أن يفرض حلوله ومشيئته على الآخرين، فهذا البلد المؤلف من عدّة طوائف محكومة بالتوافق وليس بالتناحر لأن الثاني لا يؤدي الى أي مكان. ومؤكداً أن الانتخابات ستجري في موعدها. وأضاف متسائلاً: ولماذا لا تجري في موعدها وما هي الموانع؟!